Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

نحو تغيير الهوايات الخطرة - حبيب معلوف (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

ورد في مسودة الكتيب التعليمي والتوجيهي للصيادين التي تعدها وزارة البيئة عندنا العبارة التالية: «يمثل الصيد غريزة دائمة عند الإنسان»!
لا نعلم أي صياد عالم نفس وضع هذه الفقرة؟ أي صياد «مشاريع بيئية» مبدع؟
فالصيد هو غريزة فعلا عند معظم الحيوانات وبعض النباتات النادرة التي لا تستطيع ان تعتاش وأن تبقى الا بهذه الطريقة. ولكن «الإنسان الصياد»، هو انسان مرحلة ما قبل ما يسمى «الحضارة» ومرحلة ما قبل الزراعة وما قبل الصناعة، وما قبل ثورة المعلومات والاتصالات الأخيرة. هي مرحلة تم تجاوزها ولم يعد فيها الصيد الإنساني بدافع البقاء، بل أصبح «هواية». وسرعان ما تبين ان هذه الهواية باتت قاتلة مع تطور وسائلها، مما ادى الى انقراض أنواع كثيرة من الطيور وتهديد التنوع في الطبيعة وأسس الحياة. وفي علم النفس تم ابتداع مفهوم تغيير اوتحوير الهوايات او تحويل الميول (plasticite des tendances ) عندما تصبح مستحيلة او خطرة. ويمكن تطبيقها في «التربية البيئية»، بتعليم الاولاد بملاحقة الطيور ومراقبتها وتصويرها وتوثيقها واكتشاف طرق عيشها... بدل قتلها وصيدها.
وقد بات الصيد بالمعنى الإنساني، تهمة ورذيلة وعيبا، اذ يتطلب الصيد احتيالا ما على الطريدة وترقبا وتخففا وقطع أنفاس ومطاردة، واستخدام عنصر المفاجأة والغدر أمام «الطريدة»... وكلها صفات لا يفترض بوزارة البيئة ان تشجعها، بكتيّب رسمي يصدر عنها!
كما تقدر مقدمة مسودة الكتيب عدد الصيادين في لبنان بـ300 ألف صياد! ولا نعلم من اين جاء هذا الرقم المبالغ فيه كثيرا، طالما ان الصيد في لبنان ممنوع (شكليا)، ولا احد يحصل على تراخيص، وبالتالي يستحيل إحصاء العدد الفعلي.
كما تتحدث مسودة الكتيّب عن أربع فئات رئيسية يجب على الصياد التمييز بينها والتعرف على طيور وحيوانات كل منها وهي : الأنواع المحمية والطرائد والأنواع التي تصنفها «ضارة»، وأنواع أخرى تصنفها «مفيدة»! ليس هذا وحسب، فهي تحصر الطيور المفيدة بأربعة أنواع فقط ! ولا نعلم على أي علم استند واضعو المسودة عندما يتحدثون عن «الانواع الضارة»! فهي ضارة بالنسبة لمن؟ ومفيدة لمن؟
من قال ان عصفور الدوري ضار، على سبيل المثال، وهو الذي يأكل الكثير من الحشرات التي تضر المزارعين! ولا بأس بأن يطري قلبه ببعض الثمار، لعلمه بحكمة المزارع الذي يقول «يلي ما بيروح منه ما بيبرك». أي إذا خسر المزارع بعضا من غلته تصبح مباركة. ولعل تصنيف الطيور بين ضار ومفيد، هو الضرر بعينه، ويخرج عن العلم بالتنوع البيولوجي الموجود في الطبيعة، هذا التنوع الذي يحتاج لكل الأنواع التي ترتبط مع بعضها بنظام بيئي دقيق ومعقد، لا يفترض بأحد ان يسمح لنفسه بخرقه. فلكل كائن دور ما في دورة الحياة الطبيعية، سواء عرفنا هذه الأدوار ام جهلناها. فهناك على سبيل المثال وحدة حال بين الطيور والغابات، فلولا طائر الابو زريق لما انتشرت الغابات في لبنان، ولولا طائر الكيخن وبرازه (الموضوع على لائحة الطيور المسموح صيدها!) لما انتشرت أشجار اللزاب في أعالي جبال لبنان. كما ان هناك وحدة حال ومصير بين الطيور وباقي الكائنات ... والإنسان أيضا. وكما قيل مرارا «ما في طير ما في خير»، اي اذا دخلت الى منطقة ولم تشاهد فيها الطيور، فهذا يشكل مؤشرا قويا ان هذه المنطقة غير صالحة للعيش والحياة.
ثم كما يقول الدكتور جورج طعمه ساخرا في التعليق على الكتيب: ان الجرذ والفأر من الثدييات الضارة، فلماذا لم يتم إدخالهما مع الأنواع المسموح بصيدها؟!
المعركة بين البيئيين والتجار المرتبطة مصالحهم بهذه الهواية القاتلة لم تبدأ أمس، بل منذ أكثر من عشر سنوات، بين مطالب بتشريع عودة الصيد ومطالب بالمنع الكلي وأثناء عرض مشاريع القوانين في مجلس النواب. وكان آخر هذه المعارك بين عامي 2003 و2004 حين أصرّ وزير البيئة الصياد فارس بويز على نقل الوصاية على تطبيق القانون الى وزارة البيئة بدل الزراعة، وقد حصلت مناقشات حادة كثيرة حول بعض مواد القانون انتهت لصالح التجار بشطب مادة مهمة من مشروع القانون عند إقراره بصيغته النهائية في مجلس النواب والتي كانت تمنع الاتجار بالطيور والحيوانات البرية حية او مقتولة. وذلك لوقف الطلب على هذه الطيور البرية الى المطاعم او لحجزها في أقفاص او تصبيرها وبيعها... والتسبب بانقراضها!
صحيح ان القانون منع الصيد بواسطة البوم والدبق وآلات التسجيل والطرائد الجاذبة... الا انه لا يزال يسمح بالصيد بواسطة الأسلحة النارية المتطورة! ليس عدلا ان يسمح بالصيد بالأدوات الحربية المتطورة في وقت لم تستطع الطيور والحيوانات البرية ان تطور أساليبها الدفاعية لحماية وجودها. وقد كان الحل الأقرب الى الطبيعة والعدالة فيها لو سمح فقط باستخدام الأدوات البدائية للصيد كقوس النشاب والصقور والباز والعقبان... التي ما كانت لتستطيع ان تهدد الطيور بالانقراض يوما، كما هي الحال مع الأدوات الجديدة للصيد!
فهل المطلوب من هذا المشروع تنظيم القتل؟ ام تنفيع بعض تجار هذه الهواية والنوادي وشركات الترخيص والتأمين والمراقبة والتدريب...؟
ولعل الفضيحة الكبرى هي في الصفحة الأخيرة من الكتيب، تحت عنوان «قبل الصيد وبعده»، والتي تشجع على تربية الأولاد على الذهاب الى الصيد وقتل الطيور، وهي تخالف ابسط قواعد «التربية البيئية» التي تبنتها وزارة التربية عندنا ووضعتها في البرامج التربوية... وقد خالفتها وزارة البيئة في مشروع هذا الكتيّب المعيب!

← Back to Selected Articles