أوباما "المحبوب" و"المحترم" تعرّض لنكسات فهل يلجأ إلى "الترهيب" للإمساك بالموقف؟ - هشام ملحم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
"بما ان الحب والخوف لا يمكن ان يوجدا معا، واذا كان علينا الاختيار بينهما، فمن الافضل ان يكون الانسان مخيفا بدل ان يكون محبوبا".
نيكولو ماكيافيلي، "الامير"
"لا يبدو ان اوباما مستعد للقيادة"، "هل هو قوي بما فيه الكفاية؟"، "على اوباما ان يقوم بتوجيه لكمات حادة أكثر"، "حان وقت الحسم في افغانستان".
هذه عينة صغيرة من عناوين مقالات نشرت اخيرا وتعكس انطباعا مقلقا وخطيرا ان الرئيس الاميركي باراك اوباما ضعيف، متردد وغير حازم، ويتراجع في وجه الضغوط القوية، يوحي بالاعجاب لكنه لا يخيف أحداً، ولا يعاقب خصومه. بعض هذه المقالات كتبها محللون أيدوا اوباما وانتخبوه، او مراقبون محايدون يدرسون اسلوبه في صنع القرار. البعض يتخوف من ان يتحول اوباما جيمي كارتر آخر. آخرون يرون انه اذا لم ينجح اوباما وبسرعة في نسف هذا الانطباع من خلال توجيه لكمات قاضية لخصومه، او تحقيق انتصارات واضحة، فانه يجازف بتعريض حزبه لنكسة في الانتخابات النصفية في 2010، تمهد ربما لخسارته في الانتخابات الرئاسية في 2012.
ان يتعرض رئيس ديموقراطي ليبرالي مثل اوباما لانتقادات قاسية ولاذعة او غير منصفة من الجمهوريين او اليمين المتشدد، فهذا أمر متوقع وغير مفاجئ، أما ما هو مثير، فهو ان هذه المخاوف مصدرها اصوات متعاطفة مع الرئيس. وفي بداية ولايته اتهم اوباما بانه يحاول معالجة قضايا وأزمات عدة، والآن يتهم بانه لم يحل أياً منها.
اسباب هذا الانطباع كثيرة، وهي تراوح، على الصعيد الخارجي، بين ما يبدو انه تراجع عن اصراره الاولي والقوي بان تجمد اسرائيل كل انواع الاستيطان في الاراضي الفلسطينية في وجه الرفض الاسرائيلي النافر، وبين النقاش العلني والمتناقض احيانا لكيفية ادارة الحرب في افغانستان، واخفاق اوباما في الحصول على دعم عسكري أكبر من الحلفاء وتردده في حسم أمره، وهو تردد يضعف افغانستان وباكستان، ويشجع ايران وكوريا الشمالية. أضف ان اوباما تنازل عن الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ في الجمهورية التشيكية وبولونيا، وهو ما كانت روسيا تدعو اليه من دون الحصول على تعهد واضح من موسكو انها ستتعاون مع واشنطن لفرض عقوبات أقوى ضد ايران اذا ما اصرت على برنامجها النووي.
على الصعيد الداخلي، يتعرض قرار اوباما اغلاق معسكر غوانتانامو خلال سنة للانتقاد، لانه لم يكن خيارا عمليا، ولان اوباما لم يستطع اقناع حزبه بالتصويت على قرار يسمح بنقل المعتقلين من كوبا الى السجون الاميركية، او اقناع دول عربية مثل السعودية بقبول أكثر من 93 معتقلا يمنيا، يمثلون أكثر من ثلث المعتقلين في غوانتانامو لإعادة تأهيلهم. وتعرضت ادارة اوباما لخطة اصلاح العناية الصحية في البلاد لانتقادات قاسية، لان الرئيس اعطى مؤشرات متناقضة في شأن ما اذا كان يؤيد بقوة تضمين الخطة برنامجا حكوميا للضمان الصحي لذوي الدخل المحدود للتنافس مع شركات التأمين الخاصة. وفي وجه المعارضة الجمهورية القوية (التي دعمها ديموقراطيون محافظون في الكونغرس) لمثل هذا البرنامج الحكومي، بدا اوباما كأنه يتراجع عن موقفه الاولي حين قال ان البرنامج ليس جوهريا لإقرار الخطة.
المعلق الليبرالي ريتشارد كوهين كان قاسيا ولاذعا وربما محقا حين كتب قبل ايام ان اوباما "يوحي بالكثير من التعاطف، ولكنه لا يوحي بالرهبة، والرهبة هي من أهم العناصر في العلاقات الدولية حيث تنتظر اوباما امتحانات صعبة للغاية..". ويواصل كوهين تقويمه القاسي، مشيرا الى ان اوباما يعني ما يقوله فقط في اللحظة التي يتحدث فيها، ويضيف: "وهو عنى ما قاله في تلك اللحظة من ان افغانستان هي حرب ضرورية... لكنها الآن لم تعد ضرورية، كما عنى في تلك اللحظة ما قاله حول البرنامج الحكومي للضمان الصحي، ولكنه الآن غير متأكد من ذلك. وهو قال انه لن يحاكم أي موظف في السي آي اي مارس القسوة مع المعتقلين، ولكنه الان لم يعد متأكدا من ذلك...".
ويقول المؤرخ دوغلاس برينكلي في مقابلة اجرتها معه مجلة "ناشونال جورنال" ان اوباما "خلق مناخا خاليا من الخوف... ولا احد يقلق من انتقام باراك اوباما، لانه ليس رجلا يمارس الثأر وهذا ما نحبه فيه، فهو رجل ذو اخلاق رفيعة ووفاقي ويحاول ان يحكم من خلال الاجماع، وهي كلها اهداف نبيلة، ولكنها لا توصلك بعيدا في مناخ واشنطن الذي يمارس فيه الطعن بالسكاكين". ويرى برينكلي أن على اوباما ان يتصرف مثل الرئيسين الراحلين ليندون جونسون، او تيودور روزفلت المعروفين بممارسة اللعبة السياسية من دون رحمة وبطريقة صدامية ومن دون اوهام، وهي صفات ساعدتهما على اتخاذ قرارات تاريخية.
تردد اوباما او امتناعه عن استخدام قبضته، أدى ايضا الى اغضاب الناشطين الليبراليين في حزبه الذين يلومونه لانه لم يعين عددا كافيا من القضاة الفيديراليين، ولم ينجح الا في تعيين ثلاثة من اصل 23 قاضيا فيديراليا بسبب معارضة الجمهوريين وتردد اوباما في الدخول في مواجهة معهم. ويرى هؤلاء ان تشديد الرئيس الاميركي على تخفيف حدة السجال الحزبي قد ادى الى ردود فعل عكسية ساهمت في تشجيع الجمهوريين في مجلس الشيوخ.
وساهم الجدل والتساؤل العلني حول افغانستان في اوساط المسؤولين السياسيين والعسكريين، والاجتماعات المستمرة والطويلة لمناقشة الخيارات المتاحة لاوباما، في تكوين انطباع انه متردد في حسم امره او قبول توصية قائد القوات الاميركية في افغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال زيادة عديد قواته، وانه يبحث عن الحلول الوسطى والمبهمة التي "تؤدي حتما الى الفشل"، كما قال المعلق ديفيد اغناتيوس قبل ايام.
ويرى بعض مؤيدي اوباما ان الوقت قد حان لان يدخل في بعض المواجهات والمعارك حتى لو خسر بعض الاصدقاء او بعض المعارك اذا كان ذلك ضروريا لاقناع مؤيديه وخصومه بأنه مستعد للدفاع بشراسة عن مبادئه وعن مصلحة البلاد، وبانه لن يتردد في محاسبة من يحاول تقويض سياساته.
ولكن هل تعتبر مشاكل اوباما فريدة من نوعها بالمقارنة مع مشاكل غيره من الرؤساء في بدايات ولاياتهم؟ فقد واجه الرئيس الراحل رونالد ريغان مشاكل اقتصادية خلال السنتين الاوليين له في البيت الابيض زادت فيها معدلات البطالة عن 10 في المئة، لكن ريغان لم يتهم بالتردد او الضعف. وبالمقارنة مع الرئيس السابق بيل كلينتون وسجله في بداية ولايته، يبدو اوباما في وضع افضل بعد تسعة اشهر فقط في البيت الابيض. فقد مني كلينتون بهزيمة مهينة في الكونغرس ارغمته على سحب خطته الطموحة لإصلاح العناية الصحية، كما انه اساء معالجة مسألة مثليي الجنس في القوات المسلحة، ومني بنكسات عسكرية وأمنية في الصومال وهايتي. هذه النكسات الاولية لريغان وكلينتون لم تمنعهما من الحكم ثماني سنين وتحقيق انجازات داخلية وخارجية مهمة.
المسؤولون في ادارة الرئيس اوباما يقولون ان اطلاق احكام قاطعة على ادائه في هذا الوقت المبكر او الحديث عن انطباعات سلبية قد يصعب جدا محوها، هو امر مبالغ فيه كثيرا وانه لايزال امام اوباما وقت طويل لتبديد هذه الانطباعات وتحقيق انجازات كبيرة. ويضيف هؤلاء ان اقرار خطة اصلاح العناية الصحية وهو امر في حيز الممكن، واعلان استراتيجية واقعية لافغانستان، وهو امر متوقع قبل جولة اوباما في الشرق الاقصى في الاسبوع الاول من الشهر المقبل، ومعاودة جلسات الحوار بين مجموعة الخمسة زائد واحداً وايران، ستساهم كلها في تعزيز مكانة اوباما واستعادة الثقة بقيادته.
ومما لا شك فيه ان اوباما في حاجة الى نصر سريع او انجاز واضح قبل انتهاء سنته الاولى في الحكم، لاستعادة الثقة بقدراته القيادية. ويأمل البيت الابيض في اقرار خطة العناية الصحية مع نهاية السنة الجارية.
على الصعيد الخارجي، من الصعب تحقيق انجازات نهائية او دائمة في افغانستان خلال فترة قصيرة، فضلاً عن ان المفاوضات مع ايران قد لا تسفر عن أي نتائج مرضية او سريعة. أضف ان التصلب الاسرائيلي الرافض لاي تجميد جدي للاستيطان، قد يؤخر او يعطل كليا فرص معاودة المفاوضات بين الفلسطينيين واسرائيل.
وفي هذا السياق يبقى ماكيافيلي معاصرا ومصيبا في تحليله لقدرات "الامير" أو القائد في ان يحكم بفعالية، ليس لانه يوحي بالاعجاب او الحب، او يحظى بهما، بل لانه يحظى بالاحترام، والاهم من ذلك لانه مستعد لترهيب خصومه واعدائه واخافتهم. هذا هو امتحان باراك اوباما، من اسرائيل الى ايران وانتهاء بافغانستان وباكستان.
وهو تصلب يقتضي حله استخدام الرئيس قبضة حديد او إحداث تحول جذري في اسلوب عمله.