إلحاقاً بصفحة "مطوية" ! - نبيل بومنصف (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ترفّقت الولادة الحكومية، "أخيراً"، بالمسيحيين قبل سواهم من المجموعات والطوائف اللبنانية، بأن وضعت حدا ولو آنيا وظرفيا على الارجح للصخب المتعالي والمتصاعد والمتشنج حصرا من المواقع المسيحية، فيما كانت سائر المواقع الاخرى تدير مصالحها وحساباتها وحتى معاركها الصامتة بهدأة مذهلة.
ومع القليل النادر من "الرهانات" على ان تكون ولادة حكومة الرئيس سعد الحريري قد طوت فعلا صفحة الفصول المضنية لتأليفها، لا بأس من الاضاءة على بعض مفارقات هذا الصخب ودلالاته قياسا بـ"الجبهات" الهادئة في انتظار الاختبار التالي الذي سينقل العيون الراصدة الى قاعة مجلس الوزراء الجديد.
تبين تركيبة الحكومة ان القوى المسيحية احتلت موقعا متقدما في الحصص والحقائب والنوعيات، ولكنه لا يختلف كثيرا عن موقعها السابق في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. ومعنى ذلك ان نتائج الانتخابات وفرت لهذه القوى الثبات على مكسب سياسي مهم، لكن مقتضيات التسوية والحجم الواقعي لا تسمح لها او لأي منها بانتفاخ او بتجاوز لأحجام القوى المسلمة حتى من ضمن الفريق الواحد. وحده رئيس الجمهورية بسط حصته التوافقية على السنة والشيعة بتوسيعها الى خمسة وزراء ولم يأخذ واقعيا من حصص المسيحيين الاكثريين او الاقلويين.
إذاً، لا بد من السؤال هنا: هل كانت الحصص الموفورة والمضمونة سلفا توازي "المعارك" الصاخبة التي خيضت طوال زهاء خمسة اشهر لنيل ما لا يمكن تخطيه؟ واي "خدمة" وفره هذا الصخب واقعيا للمسيحيين ما دامت الحصيلة كانت محسومة سلفا، بمعارك او من دونها؟
السؤال الآخر الذي يستدعي وقفة ولو لوهلة عند هذه المفارقة هو: هل يظن المسيحيون ان الزعماء المسلمين كانوا اقل "نهما" في اقتطاع حصصهم من شركائهم الصاخبين لمجرد انهم افادوا من نزعة هؤلاء الى احتلال المشهد الملتهب وقبعوا هم في الكواليس يتفرجون؟ واقع الحال مكشوف فوق الخشبة وخلفها. فكل من الزعماء المسلمين حظي منذ اللحظة الاولى بـ"الكوتا"، حقائب واسماء، وسمى كما سمى سواه، وفرض مرشحيه كما فعل الآخرون، ولم تمس لا حصة الثنائي الشيعي ولا حصة الزعامة الجنبلاطية، ولا الحصة الحريرية.
بطبيعة الحال لا يمكن مقارنة اداء الرئيس الحريري في حقبة المخاضين، عبر التكليف الاول ثم التكليف الثاني باداء الزعماء الآخرين مسيحيين كانوا ام مسلمين. الرجل خاض معموديته "الرسمية" الاولى بأناة مشهودة بين خصم صعب هو العماد ميشال عون وحلفاء شديدي المراس ايضا، وسبق للخصم والحلفاء ان خاضوا في ما بينهم غمار حروب ومفاوضات جعلت الحريري محاصرا طوال فترة التكليفين بكل الارث الثقيل القديم والحديث للصراع المسيحي – المسيحي. كما ان الحريري كابد مفاعيل انهيار اصول مبدئية في عملية التأليف قد يكون اخطرها تسليمه القسري بتحول القوى السياسية علنا وجهرا شركاء فعليين في عملية التأليف. ارتدت هذه النقطة سلبا على مهابة التأليف، وحاول الحريري تعويضها بواقعية الاخذ بمجريات الحال، والا لكانت المعادلة اما "النظام القسري" واما لا حكومة.
في المقابل طمس الصخب المسيحي المتقلب بين هذا المعسكر وذاك، حسابات الآخرين و"خطورة" انسحابهم من الواجهة. واقع الحال ان ارتضاء "حزب الله" بأكثر الحصص الوزارية تواضعا لا يخفي معادلة ان من يمتلك ذروة القوة لا يحتاج الى حصص وزارية منتفخة. وتدرأ الرئيس نبيه بري بصوم مديد عن الكلام فيما بدت حصته الوزارية من الاساس بمثابة "خط احمر" ممنوع مسه. اما الزعيم الجنبلاطي فعرف متى يضرب ومتى ينكفئ محتفظا بحصته الحصرية اسماء وحقائب.
في الغالب الزعماء المسلمون لم يكونوا متفرجين على الاطلاق، خاضوا المعركة بأهون السبل، كل من موقعه وحساباته، ما دام الصخب المسيحي حجب الرؤية بغبار "الترف" الذي تطوع له "محبو" هذا النوع و"هواته" ومدمنوه.
ولكن من غير المضمون ابدا ان مضى المسيحيون داخل الحكومة في "الهواية" اياها ان يجدوا هذه المرة متفرجين يفوّضون اليهم الوكالة والاصالة معا. فهناك تختلف الحسابات لان "المواجهة" او "التقاطع" سيكشفان حقيقة التسوية التي أملت ولادة الحكومة بعد استنفاد الاشهر الخمسة، وربما يقتنع كثر عندذاك بمساوئ الصخب واضراره.