Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

البيان الوزاري: تمسُّك بالمقاومة ومرونة مفاجئة في العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة - نقولا ناصيف (الاخبار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

خرج الرئيس سعد الحريري من ثاني امتحان لحكومته بإقرارها البيان الوزاري بعد 22 يوماً من مناقشته المستفيضة. اكتفى 4 وزراء مسيحيين بالتحفّظ وخامس بالاعتراض على بند المقاومة، من غير أن يخرجوا عن التضامن الوزاري. ولم يعدُ تحفظهم سوى تسجيل موقف سياسي مفاده التأكيد أن لا إجماع على بند يعتبره الوزراء المسيحيون موضع خلاف من داخل الحكومة حتّى. وقد دوّنوا تحفظهم في محضر جلسة مجلس الوزراء، من غير أن يُطرح البيان الوزاري على التصويت.
لم يُباغت التمسّك ببند المقاومة على نحو ما ورد في البيان الوزاري لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة الوزراء المسيحيين المتحفظين، وكانوا قد قرّروا سلفاً تدوين هذا التحفظ، إلا أنهم فوجئوا بتراجع عن المسوّدة التي أعدّتها لجنة الصياغة في بند لم يكن قد أثار غباراً سياسياً أو تحفظات مماثلة هو المتعلق بالعلاقات اللبنانية ـ السورية. كمنت المفاجأة في تعديل أدخل في المسوّدة على هذا البند أمس أبدل لفظة «الندّية» في العلاقات اللبنانية ـ السورية بعبارة «المساواة»، وأدخل تعديلاً آخر أشد إثارة للانتباه يتعلق بمصير المفقودين اللبنانيين في سوريا. بعدما كانت المسودة قد تحدثت عن المفقودين والجثامين، شُطبت في الصيغة النهائية للبيان الوزاري الجثامين، ونقل عن مرجع كبير في جلسة المجلس تبريره شطب الجثامين، بأن سوريا لا تعترف بوجود جثث لبنانيين لديها، وكان المرجع نفسه قد قال أيضاً إن استخدام لفظة الندّية في العلاقات اللبنانية ـــــ السورية خاطئ وفي غير محله نظراً إلى طبيعة علاقات البلدين.
هكذا على أبواب زيارة الحريري لدمشق، أرسل البيان الوزاري أكثر من إشارة إيجابية مبكّرة إليها.
واقع الأمر أن إقرار البيان الوزاري جاء خلاصة معطيات منها:
صمت الحريري بين المؤيدين والمتحفّظين: وحدة الحكومة أولاً

1ـــــ تفادى رئيس الحكومة الدخول في الجدل العلني الذي أحاط بسلاح حزب الله وسبل إدراجه في البيان الوزاري، لم يأتِ منذ الاجتماع الأول للجنة الصياغة في 10 تشرين الثاني حتى البارحة، على ذكر الموضوع، ولم يحدّد رأيه فيه بين موقفين متناقضين عبّر عنهما وزراء 8 آذار والوزراء المسيحيون في 14 آذار. وبدا الحريري في صمته مراعياً لتوازن حساس في مجلس الوزراء، سواء بالنسبة إلى الفريقين اللذين يتشكّل منهما أو إلى الموضوع الشائك نفسه. توخّى أيضاً تسهيل إبصار البيان الوزاري النور أكثر منه جعل تناقض المواقف جزءاً من الانقسام السياسي الحاد بين مشروعي 8 و14 آذار.
وخلافاً لحليفه رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي ذهب بعيداً في دعم وجهة نظر قوى 8 آذار بإزاء سلاح حزب الله، رمى صمت الحريري إلى إبراز الطريقة التي يريد بها إدارة العمل الحكومي: توفير أوسع تضامن داخل السلطة الإجرائية وتجنيبها الانقسام بغية إنجاح تجربة التعاون والانفتاح بين فريقين لا يجمعهما سوى النفور والتناقض وانعدام الثقة. ولم يعنِ التجاذب المتبادل بين إصرار على إبقاء القديم على قدمه حيال سلاح المقاومة، وإصرار على رفض تثبيت السابقة، إلا أحد وجوه النفور والثقة المفقودة بين الفريقين، في موضوع بات يمثّل ركيزة فقرية بين الخيارات الاستراتيجية المتقابلة لكل منهما.
2ـــــ أوحى الحريري بوقوفه على الحياد أنه يقارب التضامن الحكومي من باب اعتماده على تعاون الفريق الآخر معه، لا اكتفائه بالاضطلاع بدور رئيس حكومة كل لبنان فحسب، وطبقاً لمطلعين على موقفه، مدّ يده إلى قوى 8 آذار في أكثر من مناسبة، بدءاً برغبته في سحب سلاح حزب الله من التداول مروراً بمناداته بحكومة وحدة وطنية وصولاً إلى استجابته مطالب هذا الفريق في حقائب الحكومة الجديدة، انتهاءً بتشريع المقاومة حالاً مستقلة في البيان الوزاري. يعرف أيضاً أن بين يدي خصومه أربع حقائب على تماس مباشر بركائز الاقتصاد، كالاتصالات والطاقة والسياحة والصناعة، من شأنها التأثير في عمل الحكومة إذا تعمّدت التعطيل بغية تقييد قدرات الحريري على الحركة. بل ينظر، تبعاً للمطلعين أنفسهم، إلى عمل الحكومة على أساس أنه كلٌّ متكامل، إذ يتداخل عمل الوزارات بعضها ببعض في إدارة قطاعات لا تقتصر مسؤولياتها على وزير دون آخر. يصح ذلك على الطاقة مقدار صحته على الأمن والإصلاح والفساد، فضلاً عن أبسط النشاطات، كالسير. الأمر الذي يُشعر الحريري بحاجته إلى تعاون متبادل من داخل الحكومة. وفي ذلك مغزى رغبته في المزاوجة بين حكومة متعاونة تمثّل كل الأفرقاء، وتناقض سياسي حاد بين الطرفين لا يجعل الحريري يتجاهل ترؤسه غالبية نيابية تجتمع في قوى 14 آذار وتزعّمه الأكثرية الوزارية.
ومع أن مزاوجة كهذه تبدو بالنسبة إليه صعبة، تظلّ غير مستحيلة. رغم أنها استحالت في مرحلة وجود سلفه السنيورة على رأس حكومة 2005 في ظروف محلية وإقليمية دفعت الجميع إلى مواجهة حتمية وإلى حافة الهاوية.
3ـــــ لم يعطّل حياد الحريري حيال بند سلاح حزب الله دور حلفائه في قوى 14 آذار، ولا سيما منهم الوزراء المسيحيون الذين ميّزوا بدورهم بين رفضهم إبقاء الصيغة التي أوردتها الحكومة السابقة في البيان الوزاري للحكومة الجديدة، والظهور مظهر ممارسة الضغط على حليفهم رئيس الحكومة الذي لم يسعه، هو الآخر، ملاقاتهم بتوفير غطاء أوسع لتحفظ الوزراء المسيحيين بانضمام وزرائه إلى المتحفظين كي تتسع مروحة العتراض. عندئذ يصبح نصف الحكومة في مواجهة نصفها الآخر، فتنهار قبل أن يتاح لها نيل ثقة البرلمان.

← Back to Selected Articles