Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

جدل المقاومة والدولة في لبنان - رغيد الصلح (الخليج)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

تستأثر مسألة الدفاع الوطني باهتمام كبير وربما بالاهتمام الأكبر بين اللبنانيين، وهي موضع نقاشات مطولة بين القوى السياسية الرئيسة في لبنان. وفي الآونة الأخيرة وضعت بين اللبنانيين وثيقتان بالغتا الأهمية هما البيان الوزاري للحكومة الجديدة الذي ترقبه اللبنانيون باهتمام بعدما تأخر تشكيل هذه الحكومة لفترة أشهر، والوثيقة السياسية لحزب الله التي تعتبر البرنامج السياسي الثاني الذي أعلنه الحزب بعد الوثيقة الأولى التي أعلنها خلال سنواته التكوينية في الثمانينات، وتناولت كل منهما مسألة الدفاع الوطني، وإن اختلف حجم ذلك التناول بصورة ملموسة. وفي ضوء هاتين الوثيقتين والمناقشات التي سبقتهما ودارت حولهما يمكن القول إن هناك ثلاثة مواقف رئيسة تجاه سياسة لبنان الدفاعية المرتجاة هي:
1- موقف الحكومة اللبنانية الجديدة: تضمن البيان الوزاري الذي سوف يعرض على مجلس النواب اللبناني إشارات وتلميحات إلى مسألة الدفاع الوطني من دون الدخول في التفاصيل. فالحكومة وعدت بالدفاع "عن الحقوق الوطنية اللبنانية في مواجهة "إسرائيل" وممارساتها العدوانية واستمرارها في احتلال الأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية، وانتهاكها للقانون الدولي والإنساني". كذلك وعدت الحكومة بالعمل على "مواصلة دعم القوى العسكرية والأمنية الشرعية وتوفير الإمكانات لها لكي تقوم بالمهمات الموكولة إليها في حماية اللبنانيين".
وإذ يحدد البيان التحديات والأخطار التي ينبغي حماية اللبنانيين منها، فإنه لا يربط تنمية قوى لبنان العسكرية والأمنية من جهة، ومواجهة "إسرائيل" من جهة أخرى. ولكن يمكن القول إن تعزيزاً لقوى لبنان الأمنية في وجه الإرهاب والجريمة من شأنه أن يوطد قدرته على مواجهة الخطر "الإسرائيلي". بيد أن الوصول إلى التيقن من هذا الأمر سوف يبقى مرهوناً بنتائج الحوار الوطني المرتقب "للتوصل إلى استراتيجية وطنية شاملة لحماية لبنان والدفاع عنه"، كما وعد البيان الوزاري. بانتظار هذا الحوار، فإن البيان الوزاري للحكومة لم يتطرق البتة إلى أولويات وزارة الدفاع الوطني اللبنانية، مع أنه حدد اولويات كل وزارة من الوزارات الأخرى. بانتظار الحوار الوطني والاستراتيجية التي ستخرج منه، فإن ثمة أسئلة كثيرة تدور في الأذهان حول المواقف العملية التي ستتخذها الحكومة اللبنانية من أجل ردع الانتهاكات شبه اليومية من قبل "إسرائيل" لسيادة لبنان والتهديدات المستمرة لأمنه واستقراره، وهذا ما شهد اللبنانيون فصولاً منه عندما القت أجهزة الأمن اللبنانية القبض خلال الأشهر الماضية على العشرات من الجواسيس الذين يعملون في خدمة الاستخبارات "الإسرائيلية" في لبنان.
2- موقف حزب الله والقوى السياسية المتعاطفة معه: تضمنت الوثيقة الأساسية لحزب الله توضيحات مهمة حول مسألة الدفاع الوطني، إذ اعتبر أن "إسرائيل" تمثل خطراً دائماً على لبنان، وترى الوثيقة أن التجربة أثبتت أن هذا التهديد "ودوام غياب الدولة القوية والقادرة" "يفرض على لبنان تكريس صيغة دفاعية تقوم على المزاوجة بين وجود مقاومة شعبية.. وجيش وطني يحميه".
تؤكد هذه التوضيحات استنتاجات توصلت إليها أكثر القوى الوطنية والمناهضة للصهيونية في لبنان. إلا أنها تترك المجال مفتوحاً أمام العديد من الأسئلة، من هذه الأسئلة ما يتعلق بتقييم حزب الله لدور الدولة اللبنانية في الصراع مع العدو. فالوثيقة تقول إن السلطة اللبنانية، تركت قبل الثمانينات "أرضها وشعبها نهباً للمجازر والاحتلال "الإسرائيلي" من دون أن تتحمل مسؤولياتها وواجباتها الوطنية".
بيد أن الوثيقة نفسها تقول إن المقاومة تمكنت من إنزال الزائم التاريخية بالعدو ومعها لبنان بشعبه وجيشه، وإذا سلمنا بأن توصيف الوثيقة لماضي الدولة اللبنانية يطابق الوقائع التاريخية، مع أنه يستحق المناقشة، فإن ما جاء في الوثيقة حول دور الجيش في تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة ينطوي على دلالات مهمة. ف "الجيش" ليس جسماً منسلخاً عن الدولة اللبنانية، وإذا كان موقف الدولة اللبنانية قد تطور عبر السنوات من تخلف عن تحمل المسؤوليات الوطنية، إلى الاضطلاع ولو الجزئي بهذه المهمة، ألا يعني ذلك أن موقف الدولة اللبنانية تجاه مسألة الدفاع الوطني قابل للتطور وأن اللبنانيين قادرون على تطوير قدرات دولتهم بحيث تصبح دولة قوية وقادرة؟
3- موقف بعض فرقاء تكتل الرابع عشر من آذار: لم يتبلور هذا الموقف في وثيقة واحدة محددة بحيث تسهل مناقشته. ولكن يمكن القول إن هؤلاء الفرقاء يناقشون مسألة السياسة الدفاعية في ضوء موقفهم من سلاح المقاومة. ويرى هؤلاء الفرقاء أن احتفاظ المقاومة بسلاحها وتطوير قدراتها العسكرية يتناقض مع ميثاق الطائف الذي يدعو إلى تجريد الميليشيات اللبنانية من سلاحها، ومع قرارات دولية وافق عليها لبنان ونصت على ضرورة تجريد حزب الله من السلاح، وكذلك مع مبدأ السيادة الوطنية الذي يحتم بسط سلطة الدولة على سائر أراضيها.
هذه المقاربة لقضية الدفاع الوطني تركز على سلاح المقاومة بصورة حصرية مما يفسح المجال أمام اسئلة كثيرة تتناول موقف هؤلاء الفرقاء تجاه التحدي "الإسرائيلي". فهؤلاء يعتبرون أن خروج "إسرائيل" من أراض لبنانية عام ،2000 كفيل بإغلاق ملف التحديات "الإسرائيلية" في الأفق المنظور، ومن ثم فإنه ما من مسوغ لاستمرار المقاومة. أما قضية الغجر ومزارع شبعا فإنه من المستطاع متابعتها عبر التحرك الدبلوماسي ومن خلال علاقات لبنان مع الدول الكبرى. بيد أن هذا الفريق لا يملك أجوبة كافية عند طرح مسألة مشاريع "إسرائيل" للاستحواذ على جزء من ثروة لبنان من المياه ومن النفط الذي يجري البحث عنه في الأراضي والمياه الإقليمية اللبنانية. كذلك لا يملك هذا الفريق أجوبة كافية عند طرح سؤال حول السياسة الدفاعية التي ينبغي اتباعها ضد كيان مجاور لا يعترف بحقوق شعوب المنطقة الوطنية ويعتبر أن الأمن "الإسرائيلي" وليس مبادئ العلاقات الدولية هو المعيار الوحيد والمحدد لعلاقاته بالشعوب والدول المجاورة.
بالمقارنة مع هذه المقاربات نجد أن المقاربة الأفضل هي تلك التي تستفيد مما حققته شعوب أخرى مثل ماليزيا وسنغافورة وسويسرا والسويد عندما طبقت مبدأ الدفاع الشامل، بحيث بات باستطاعة هذه الدول تعبئة مئات الألوف من المجندين ضد الأخطار الخارجية. إن هذه المقاربة تنيط مهمة الدفاع الوطني بالدولة وتضع مسؤولية تعبئة وتدريب وتهيئة القادرين على المساهمة في تنفيذ السياسة الدفاعية على عاتق الدولة الوطنية. وإذا لاحظنا مقدار النجاح الذي حققته هذه الدول في حماية أرضها ومصالحها الوطنية، فإننا نتأكد أنه ليس هناك من مسوغ مفهوم من الاهتمام بهذه التجارب والسعي الجدي إلى فهم أسباب نجاحها والإفادة الخلاقة من الدروس التي تقدمها هذه التجارب.

← Back to Selected Articles