Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

عندما يخرج «جمر» أبو جمرا من تحت الرماد - عماد مرمل (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

نجح العماد ميشال عون مؤخرا في «احتواء» الجزء الأكبر من «المعارضة الداخلية» التي نشأت على ضفاف التيار الوطني الحر خلال مراحل متعددة، ويمكن القول إن صفحة جديدة فتحت بين الجنرال و«الكوادر المتذمرة»، بعد جلسة «غسيل قلوب» تمت في الرابية، الأمر الذي من شأنه أن يعطي قوة دفع لمحركات الماكينة البرتقالية التي لا تتوقف عادة عن الهدير.
وعلى خط مواز، كان العماد عون يلتقي النائب وليد جنبلاط في اجتماع مصارحة ومصالحة، فيما التهدئة مستمرة بينه وبين تيار المستقبل منذ جلسات الحوار العميق التي جمعته إلى الرئيس سعد الحريري في أعقاب التكليف الثاني.
لكن هذه الصفحة الجديدة المفتوحة في أكثر من اتجاه، لم تتسع بعد لاسم اللواء عصام أبو جمرا الذي «تمرد» على الرابية احتجاجا على قرار جنرالها تسمية وزراء من خارج التيار، وتغييب التمثيل الأرثوذكسي عن الحصة العونية، مطالبا بتطبيق النظام الداخلي للتيار و«مأسسة» آليات اتخاذ القرار، قبل العودة إلى «البيت الزوجي».
وفي حين حاول سعاة الخير في السابق، أكثر من مرة، إعادة وصل ما انقطع بين الرجلين من غير أن يوفقوا، تبدو طريق الوساطة خالية هذه الأيام بعدما أدى استبعاد اللواء أبو جمرا عن لقاء الرابية بين عون وجنبلاط بحضور وفدين من «التيار» و«التقدمي»، إلى جعل الجمر يتقد من جديد في قلب أبو جمرا.
وبقدر ما أحس «اللواء» بأن «الجنرال» خذله، أحس عون بدوره بأن «رفيق السلاح» صدمه عندما أخرج الخلاف أو سوء التفاهم بينهما من الغرف المغلقة إلى السطح، مقدما للخصوم هدية مجانية ومتيحا لهم فرصة الشماتة أو الاستثمار السياسي والإعلامي، «علما أن من أهم شروط الانضباط التنظيمي هو إبقاء أي تباين في وجهات النظر ـ مهما بلغ من حدة ـ ضمن قنوات النقاش الداخلي البعيد عن الضوضاء، وصولا إلى معالجته بأقل الخسائر الممكنة».
ويعتبر المتحمسون لـ«الجنرال» أن أبو جمرا يحمل مطالب شخصية أكثر منها عونية، وأن أزمته الفعلية تعود إلى عدم توزيره، أما ما ينادي به من إصلاحات داخل التيار فليس سوى قشرة خارجية هدفها تغطية المضمون الحقيقي لموقفه. ويتساءل هؤلاء: لماذا استفاق أبو جمرا فجأة في هذا التوقيت بالذات على الحاجة إلى تطبيق النظام الداخلي وتطوير آليات عمل «التيار» وهو الذي يعمل إلى جانب العماد عون منذ سنوات طويلة، وهل كانت هذه الصحوة لتحصل لو سماه الجنرال وزيرا؟
في المقابل، يتمسك أبو جمرا بإبداء الخشية من أن ينزلق «التيار الحر» نحو منطق التوريث، «ونحن الذين نشأنا وتكاثرنا على أشلاء الأحزاب التي تستند إلى الفرد والعائلة»، منبها إلى أن الأحزاب المماثلة اندثرت مثل الكتلة الوطنية والأحرار أو ضعفت مثل الكتائب، «وبالتالي فإن الهدف من المنحى التصحيحي أو الإصلاحي الذي أنادي به هو اكتساب مناعة إضافية للحؤول دون انتقال عدوى النزعة الفردية أو الاحتكار العائلي إلى التيار القائم على حيوية الديموقراطية ومحاربة الإقطاع».
ويؤكد أبو جمرا انه باق في التيار الوطني الحر «لأن التيار جزء مني وأنا جزء منه، ومن يرفضني يستطع أن يغادر هو، أما أنا فمكاني الطبيعي والدائم في قلب التيار». ويروي كيف انه وافق على أن يخوض معركة الأشرفية الصعبة خلال الانتخابات النيابية الأخيرة كرمى لعيون «التيار» و«الجنرال»، وكيف أنها كلفته الكثير معنويا وماديا «علما أنني كنت أعرف منذ البداية أنني أخوض مجازفة محفوفة بالمخاطر»، ويستعيد المحطات النضالية المشتركة مع عون من أيام الجيش وصولا إلى الحكومة العسكرية وتجربة المنفى، انتهاء بالعودة إلى لبنان وما تلاها من معارك سياسية صعبة، «ليتبين لي في نهاية المطاف أن من ضحى جرى تهميشه».
ويشير إلى أنه لم يكن قادرا على تقبل طريقة التعامل مع ملف المشاركة في الحكومة والتي عكست الحاجة الملحة إلى الإسراع في تقويم الاعوجاج. ومنعا للاجتهاد والتأويل في تفسير موقفه الاعتراضي، يشدد أبو جمرا على الاعتبارات الآتية:
ـ عدم القبول بتعيين وزراء باسم التيار من خارجه، وهو المزدحم بالكفاءات والطاقات، لا سيما أن الجنرال عون لم يتخذ هذا القرار بالتشاور معنا.
ـ الاعتراض على عدم اختيار وزير أرثوذكسي من ضمن حصة التيار، برغم الفوز في الانتخابات النيابية بقرابة 75 بالمئة من أصوات المسيحيين الأرثوذكس.
ـ رفض التخلي عن موقع نائب رئيس الحكومة الذي خضنا من أجل تعزيزه مواجهة حادة مع الرئيس فؤاد السنيورة، وأنا شخصيا كنت رأس حربة في هذه المعركة، فإذا بالحصيلة لا تتناسب وحجم الجهد الذي بُذل.
وانطلاقا من هذه الاعتبارات التي أفرزها مخاض تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، يضيء أبو جمرا على ما يرى انه مكامن خلل تنظيمية تتمثل في تجاوز النظام الداخلي للتيار والذي ينص على تشكيل مجلس وطني هو بمثابة مجلس نيابي، وهيئة تنفيذية واختيار معاونين للقائد، لافتا الانتباه إلى أن مثل هذه الإجراءات كفيلة بتحقيق الرقابة المطلوبة والشراكة في القرار.
ويشير أبو جمرا إلى انه وبرغم المرارة الشديدة التي شعر بها نتيجة تجاهل مآخذه، «كنت حريصا على لملمة الموضوع لقطع الطريق على المصطادين في الماء العكر، وبادرت قبل أكثر من أسبوعين إلى زيارة العماد عون في الرابية، ثم ظهرت على شاشة الـ«أوتي في» وتعمدت أن أعطي انطباعا بأن الاجتماع كان إيجابيا من أجل إعطاء فرصة للتفاهم، علما أن اللقاء لم يكن إيجابيا ولم نتوصل خلاله إلى معالجة نقاط الخلاف بيننا، لكن وبدلا من ملاقاة حسن النية لدي فوجئت في اليوم التالي بمواقف حادة تصدر عن الوزير جبران باسيل، فاضطررت إلى الرد عليه».
ويستهجن أبو جمرا ألا يبادر العماد عون إلى دعوته للمشاركة في لقاء المصارحة والمصالحة مع النائب وليد جنبلاط في الرابية والذي حضره قياديون من التيار الوطني الحر إلى جانب قياديين من الحزب التقدمي الاشتراكي، متسائلا: هل يجوز أن يصبح التفاهم مع وليد جنبلاط أو سعد الحريري أسهل من التفاهم معي، وهل يعقل أنه في الوقت الذي يصالح فيه الجنرال خصومه السابقين، يختلف مع أحد أبرز المقربين منه ورفاق دربه؟
ويوحي أبو جمرا بأن الأمور عادت إلى المربع الأول بعد استبعاده عن لقاء الرابية الأخير بين قيادتي «التيار» و«التقدمي»، علما «أنني أعطيت أكثر من إشارة حسن نية لتجاوز الواقع الراهن إنما من دون نتيجة»، قائلا: أنا رجل مبدئي ومؤسس في التيار، لا شيء يغريني أو يخيفني، لقد فقدت الكثير خلال مسيرتي، باستثناء الكرامة والشرف، ولن أتخلى عنهما الآن... في حياتي كلها لم أكن ممن يقفون في الصف ولن أفعلها.
لكن، وبموازاة كل هذه الاعتراضات، يحرص أبو جمرا على عدم إعطاء موقفه أبعادا تتجاوز الحجم الذي يريده لها، مؤكدا انه لا يقود حركة انقلابية أو انشقاقية، بل يدعو إلى التصحيح والإصلاح من داخل التيار وتحت سقفه. وأكثر من ذلك، يقطع الطريق على أي محاولة للاستثمار السياسي على خلافه الحالي مع عون من خلال توضيحه بأن خياراته السياسية الكبرى ما تزال ثابتة وتشكل امتدادا للخط الاستراتيجي للتيار الوطني الحر سواء بالنسبة إلى التفاهم مع حزب الله أو العلاقة السليمة بسوريا.

← Back to Selected Articles