Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

احترام المراحل والقواعد - حبيب معلوف (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

تتزايد الشكوى يوما بعد يـوم من قلة الامان في انظمتنا الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والغذائـية. ولا تزال الاسئلة تطرح هي نفسها، منذ ان بدأت هذه المشاكل بالظهور والتفاقم: ماذا نفعل؟ كيف نتفاعل؟ كيف نتكيف؟ ماذا نستهلك؟ ماذا نأكل؟ كيف نعيش وكيف يمكن ان ننقذ انفسنا...؟
ولعل طبيعة الاسئلة، تؤكد عدم القدرة على اختزال الحلول في جواب واحد، كون هذه الاسئلة تشمل كل جوانب الحياة تقريبا... لا بل تطال ما يسمى «الحضارة الانسانية» برمتها. وهي تحتاج ايضا لمقاربتها، الاستعانة بكل معارف وعلوم الارض، وليس لعلم واحد مخصوص في حقل من حقولها. هي تحتاج الى البحث في عمق التجربة البشرية، تاريخيا وأنتروبولوجيا.
فالبشرية في تاريخها، هي شبيهة تقريبا بتجربة اي فرد، بتاريخ اي فرد من مرحلة الطفولة الى مرحلة الشيخوخة.
فلكي نفهم جذور ازماتنا اليوم، علينا ان نفهم تاريخيتها. ولكي نستطيع ان نفهم تلك النزعة الاستهلاكية القاتلة اليوم، علينا ان نفهم ربما طفولتنا.
يعيش الكائن الحديث في حالة انفصام بين عالمه الداخلي والعالم الخارجي. بين طبيعته الطبيعية وتلك المصنوعة.
في مرحلة الطفولة، يكون الطفل اقرب الى الطبيعة، ولا يشعر بأنه متمايز عنها. يبدأ شعوره بأن كل شيء متصل . من حبل السرة الى الهواء الخارجي الذي يلامس جسده الى شعوره بالسرور بمجرد مشاهدة او ملامسة جسد امه. ويمكن ان يكون جسم امه والاجسام الاخرى الطبيعية، كل واحد بالنسبة اليه. وكلما كبر الطفل بدأ يشعر بالتمايز عن غيره من الكائنات والرغبة في الانفصال والاستقلال. ولعل مرحلة اثبات الذات، وتشكل «الانا»، هي مرحلة التمرد والانفصال، مرحلة «المراهقة»... هي المرحلة الاشد حراجة والتي يمكن ان تكون مدمرة. وربما هذه هي المرحلة التي وقفت عندها البشرية، بأكثريتها الساحقة على الاقل، ولم تستطع ان تتجاوزها للوصول الى مرحلة النضج والهدوء ... مرحلة اعادة التفكير والتأمل، استعدادا للوصول الى افكار اكثر وجودية وشمولية... وأكثر عمقا.
يتحدث البعض عن «الذات الايكولوجية» عندما يفسرون ظاهرة ابتهاج جسد الطفل وحواسه بالماء الدافئ للحمام، وابتهاجه بفرو القط والعشب الاخضر الطري... ولكن هذا قد يؤشر الى مرحلة تكون الجنين المحاط بالماء وإلى مرحلة ملامسة جسد الام الطري. بالاضافة الى ذلك ليس كل ما في الطبيعة ناعما ومالسا. ولذلك قد يحلم الطفل بالحيوانات الكبيرة وشبه الخيالية... مما يعني ان بيئة الطفل، تتخطى تلك العائلية لتتصل بقوى الطبيعة المكونة والمحيطة اكثر فاكثر. وهناك حاجة لاعادة دراسة تلك المرحلة الانفصالية التي مر بها الطفل والتي تطلبت التصرف بعدوانية ما مع الاهل ومع قوى الطبيعة بنفس الوقت تقريبا... لكي نستطيع ان نفهم اليوم تلك النزعة الاستهلاكية التدميرية غير المفهومة.
استفاد اقتصاد السوق من تلك النزعات الطفولية للعب والعبث وحب التملك، وحاول ان يعززها ويستغلها بدل ان يعالجها. عزز اقتصاد السوق حالة النهم وحاول ان يطيل امدها قدر الامكان، وايهام المستهلك بأن الاستهلاك يؤمن الاشباع وبأن «الانسان يستطيع ان يأكل اكثر من شبعته»... ولكنه في الوقت نفسه جعل من الاشباع حالة غير مستقرة، يمكن تحويلها وإعادة انتاجها مع الترويج لسلع جديدة ومتجددة دائما.
يمكن لمراجع تاريخ البشرية من منظور بسيكولوجي، ان يلاحظ ان البشرية لا تزال في مرحلة طفولتها. فهي نهمة وتريد كل شيء لذاتها، تعبث بأي شيء، تحرد وتعاند وترفض الحوار وتصر على تحقيق رغباتها مهما كان الثمن، او من دون التفكير بالثمن، مما يتسبب بانعكاسات جانبية وأزمات.
يحمل بعض البيئيين، المتعمقين في دراسة ظواهر الاستهلاك الحديثة المدمرة، العلم مسؤولية الازمات المعاصرة. الا ان البعض الآخر، لا يجد مخرجا من المشكلة الا عن طريق العلم ايضا. ولكن السؤال عن اي نوع من العلوم والعلماء نتحدث؟ وهل لا يزال هناك من علماء ومراكز ابحاث خارج السوق القائم اساسا على زيادة الانتاجية والاستهلاك وعلى المنافسة والسباق؟ وخارج تلك النظرة النفعية والعملية للعلم؟
لعل ذلك يحتاج الى فلسفات جديدة، او اعادة الاعتبار الى فلسفة العلم، الى فلسفة تعيد ترتيب وتصنيف الافكار والمراحل، فتفصل بين مرحلة الطفولة وتلك المتعلقة بنضوج البشرية. والتوقف عن وهم الادعاء القدرة على تطويل فترة الطفولة والتلاعب بها، وذلك على اعتبار ان مرحلة النضوج، هي مرحلة بداية النهاية. واعتبار ان مرحلة النضوج هي مرحلة، مثل الطفولة تماما، ومصيرها ان تنتهي لكي يستمر نظام الحياة حيا. ولعل اقصى ما يمكن ان يجتهد فيه الفكر الفلسفي، ان يساعد على انهاء تلك المرحلة بهدوء.
والهدوء لا يعني وقف السباق، بل القبول بقواعده. فإذا كان على الاسد ان يسرع اكثر من ابطأ غزال لكي يستطيع ان يفترسه ليعيش، على الغزال ان يسرع اكثر من اسرع اسد لكي ينقذ نفسه. وهكذا لا يستطيع الاسد ان يلتهم الا ما ضعف او عجز من الغزلان، ويبدأ هو نفسه بالاستعداد للموت، عندما يعجز عن اللحاق بأي منها ايضا.
فهل حان الوقت لكي نقبل ونهدأ في مرحلة شيخوختنا؟ ام لا زلنا نتوهم اننا نستطيع ان نمدد مرحلة طفولتنا الى ما لا نهاية وكأننا كائنات قابلة للخلود!؟

← Back to Selected Articles