عيد مار مارون حيث العيش المشترك الودود بين اللبنانيين - عمر حرقوص (المستقبل)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
صورة تاريخية كانت أمس في كاتدرائية مار جرجس المارونية وسط بيروت بمناسبة السنة اليوبيلية لمناسبة مرور 1600 عام على وفاة القديس مارون، حضر فيها لبنان بسياسييه وناسه. ذاكرة اللبنانيين خلال 16 قرناً حضرت كلها في القرن الواحد والعشرين أمس في عيد مار مارون الناسك والقديس الذي إليه ينتسب المسيحيون الموارنة، الذين استظلوا في وديان لبنان تحت زيتونه وأرزه، ليكونوا جزءاً بارزاً من النسيج اللبناني الباحث عن الحرية والاستقلال طوال قرون. أمس ظهرت صورة الاجتماع اللبناني من جديد في ذكرى قديس له ناسه بين اللبنانيين. في وسط بيروت تجد موارنة اجتمعوا من مختلف المناطق اللبنانية، مع البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، بالقرب من ساحة الشهداء، حيث تكون دائماً هذه الساحة ملقى اللبنانيين في تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم. لبنانيون من طوائف مختلفة تواجدوا في هذا اليوم اللبناني بامتياز، ليكونوا مع تاريخهم كما بعد أيام قليلة سيكونون مع مستقبلهم.
في الكاتدرائية التي شهدت التاريخ اللبناني الحديث، وتحديداً بيروت بصورتها القديمة، وكذلك شهدت الحروب الأهلية التي دمرت منها أجزاءً، وشهدت أيضاً إعادة بناء بيروت، وانتفاضة الاستقلال مع استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في هذا المكان أطل سيد بكركي أمس على وقع نشيد "مجد لبنان أعطي له"، في مشهد نادر من حيث المناسبة التي حملت الكثير من المعاني الدينية المرتبطة بطائفة أساسية في المشهد اللبناني، وكذلك مشهد يواجه ما يدور حوله من تغيرات وتبدلات سياسية تحاول إخراج بيروت وكنيستها المارونية من عمق تاريخها، يوم ديني بامتياز، وكذلك هو مطعم بالسياسة وأحوالها.
في القداس ركّز البطريرك صفير في رسالته "في مار مارون.. المارونية ولبنان"، على أنّ "مركز ثقل المارونية هو لبنان"، وقال "مع أن المارونية لم تولد في لبنان ومع أن أكثرية الموارنة تعيش اليوم في دول الانتشار في العالم فإن هذا الواقع لا يغير شيئاً من الحقيقة القائمة في قلب كل ماروني في عقله ووجدانه أو يفترض أن تكون كذلك، بأن وطنهم الحقيقي كما أراده القديس مارون هو قبل كل شيء حيّز روحي".
الحرية وخصوصية لبنان في المشرق لم تغيبا عن الكلمة، فقد رأى أنّ "المارونية هي مشروع حرية، رمزها لبنان" معتبراً أن "تلامذة مارون أعطوا قيم المحبَّة والحرِّيَّة والكرامة الإنسانيَّة والعيش المشترك الودود بين المسيحيِّين والمسلمين ولا سيَّما على أرض لبنان الحبيب".
إذاً، في التاسع من شباط يحضر صفير إلى ساحة الشهداء، في الوقت الذي يجمع فيه معه ممثلي اللبنانيين، وكذلك هو يقيم القداس بالقرب من ساحة الشهداء، أو ساحة الحرية وانتفاضة ثورة الأرز، الساحة التي تشهد تحضيرات لذكرى 14 شباط، شهدت أمس على الاحتفال التاريخي لمار مارون، المتجذر بلبنان المستقل.
حضر الاحتفال كل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان، رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، وعدد كبير من الوزراء والنواب والسياسيين وكذلك سفراء الدول، حيث جمع العيد الاختلافات اللبنانية، في ظل عباءة البطريرك صفير، في الكنيسة التاريخية ليشهدوا على أحد رجالات الاستقلال الثاني، الرجل الذي أطلق في العام 2000 من بكركي رسالة الاستقلال الثاني.
في الاحتفال لم تغب بيروت المدينة المتنوعة، لا بأهلها ولا بالحديث عن المكان وقيمته ودلالاته، فقد اعتبر رئيس أساقفة بيروت المارونية المطران بولس مطر أن "اللقاء في بيروت بالذَّات له أكثر من دلالة، لأنَّه يحمل إلى المنطقة والعالم بأسره رسالة لبنان، فالكنيسة المارونيَّة التي انطلقت مع شفيعها وراعيها من جبال قورش في شماليِّ سوريَّا، ترعرعت في لبنان وفيه صارت تلك الشجرة الَّتي يقول عنها الإنجيل إنَّها كبرت وراحت طير السَّماء تعشِّش في أغصانها".
إذاً، كانت أمس العاصمة اللبنانية باباً جديداً لجمع اللبنانيين مسلمين ومسيحيين في واحدة من كنائسها بالقرب من مسجد واحد من أحبتها، مسجد محمد الأمين حيث يرقد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حضر أحبتها وغاب من غاب في مدن بعيدة عن مفهوم الشراكة اللبنانية. المطران مطر أكد أن "بيروت وهي اليوم وريثة إنطاكية ومدينة كلِّ الكنائس، قد صارت بامتياز مساحة التَّلاقي الأرحب بين المسيحيَّة والإسلام، ومكان الحوار البنَّاء الَّذي راح يأخذ أبعاده العالميَّة بين الأديان والحضارات، وقد تجلَّت في هذا الوطن عاصمة فريدة متألِّقة بين العواصم، كما صار لبنان أكثر من وطن وانبرى رسالة في العيش الواحد بالحرِّيَّة والكرامة والمساواة بين الجميع، ورمزًا من رموز التَّقدُّم في طريق الانسجام والتفاهم بين دول الأرض في كل أقطارها".
بالأمس كانت مناسبة طرحت على الجميع أسئلة متعددة حول الظروف الصعبة في المنطقة ومدى تأثيرها على لبنان. كان المطروح على اللبنانيين أمس، ليس مع من أو ضد من يجب أن نكون بل أن نعرف الغاية التي من اجلها يجب أن نكون، كما قال البطريرك صفير.
بالأمس شهد اللبنانيون بداية عام مار مارون، عام يوبيله الذهبي رقم 16، حيث ستستمر المناسبات المتعلقة بهذه المناسبة لمدة عام. عام لبناني بامتياز يحتاج فيه أبناء هذا الوطن إلى الكثير من الصلوات والأدعية ليمر على خير، إضافة إلى جهد السياسيين لتوفير السلام داخل الوطن، أمام غيوم المنطقة السود.