فــك الحــداد - ساطع نورالدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
|
لم يكن الحشد هائلاً، لكنه كان كافياً للبرهان على أن الموجة مستمرة، بحدودها العاطفية التي تجاهد للتحول الى مشروع سياسي يتخطى شعار «العبور الى الدولة»، من ضفة غير محددة والى ضفة اخرى غير محددة المعالم. لم يكن الحشد متوتراً، لكنه ارسل اشارة واضحة الى الآخرين بأنه مختلف، يحافظ على طقوسه وأعلامه وهتافاته، من دون ان يثير العصبيات المواجهة، التي كانت تنذر باضطراب الامن وتلوح بالوقوف على حافة الحرب الاهلية او الفتنة المذهبية. لم يكن حشداً مكتملاً، لكن عناصره كانت ظاهرة بوضوح، من دون الحاجة الى التحقق من الصور والشعارات واللافتات، ومن التثبت من أعداد الغائبين واسمائهم ونسبهم. وكانت دوافعه بادية على الوجوه: إعلان البقاء الذي جرى التشكيك فيه، حتى ولو ترك اللقاء الانطباع بأنه وداعي، وبأن العام المقبل لن يشهد مثل هذا التحدي، بمفعوله الرجعي الذي لا يمكن لأحد أن يخطئه. لم يكن حشداً حزيناً، يتذكر الفاجعة الكبرى التي حلّت قبل خمس سنوات، لكنه كان يعلنها خاتمة للأحزان، ويؤكد فك الحداد الطويل على الراحل الكبير، ويقر بأنه لا يستطيع منافسة الآخرين ولا أن يجاريهم لا في الحزن ولا في الحداد، مثلما لم يستطع أن ينافسهم في مشاعر أو مواقف أخرى. كان الغناء والموسيقى والرقص على المسرح دليلاً على ان الحضور يخرج من لوعته وينتقل بالزمان والمكان الى حالة مختلفة. لكن تلك الحالة التي استغرق ظهورها وخسوفها خمس سنوات، والتي اكتفت امس بالدفاع عن نفسها، ورفض فكرة التنكر للراحل الكبير وذكراه، ورفض فكرة التفكك الملموس لذلك الائتلاف الشعبي والحزبي العريض، ردت على الاتهامات التي وجهت اليها بأنها خانت جمهورها بكلمات ظلت قاصرة عن اجراء تلك المراجعة الضرورية لمرحلة ارتكبت فيها الكثير من الأخطاء والآثام، وأدّت إلى الإعلان الأخير امس عن ان الجنازة قد انتهت، وحان موعد البحث عن دور جديد يتجاوز حمل النعش وزيارة الضريح، برغم أهميتهما القصوى، كموقف اخلاقي وانساني لا يجادل. خلاصة الكلام السياسي الذي اطلق في تلك التظاهرة العاطفية، لم يفتح طرقاً جديدة لـ«العبور الى الدولة». كرر ثلاثة من الخطباء الأربعة التصويب على السلاح المتوافر لدى الفريق الآخر، الذي يتمتع بقداسة موازية، وقوة متفوقة، لا تسمحان بالنقاش لا على طاولة الحوار الوطني ولا في الشارع الذي لا يزال يحفظ آثار ذلك النقاش. وجدّد الخطاب الختامي لنجل الراحل الكبير القول إنه ذهب الى دمشق بطلب من الملك السعودي عبد الله. لم يكن أحد منهم يخدع الجمهور او يكذب عليه. لكنه كلام مكرر ومعاد، وثوابته معروفة جيداً، تتعارض مع فكرة «العبور»، التي كانت عنوان المناسبة وهتافها الأخير، بعدما سقطت كل الهتافات السابقة. كانت الذكرى تقتضي كلاماً متقدماً ومفصلاً عن المستقبل، الذي لا يزال الراحل الكبير يمثله، في السياسة والاقتصاد والاجتماع اللبناني الذي لم يغادر مرحلة الاضطراب الداخلي، او دائرة القلق حول علاقاته مع الشقيقة سوريا، او دائرة الخطر الإسرائيلي الذي يتزايد يوماً بعد يوم.. حتى ولو كانت المناسبة هي مجرد إعلان فك الحداد.
|