من جرّب "العرب" كان عقله مخرّباً ! - سركيس نعوم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
عندما طالب الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري بلجنة عربية تحقق في اغتياله، قامت القيامة عليه، من الفريق الذي حمل اسم 14 آذار اذ اعتبر هذا الاقتراح محاولة لتمييع التحقيق ولتجهيل "القاتل". اما لماذا اعتبرت محاولته تمييعية فلأن "سمعة" الدول العربية او الانظمة فيها في مجالات التحقيق والقانون والقضاء والعدل ليست عطرة. ولأن انقسام الدول العربية لا بد ان يعكس نفسه داخل لجنة التحقيق فيشلها او يجمدها بحيث لا تصل الى نتيجة نهائية.
وانشئت بعد ذلك لجنة تحقيق دولية ثم محكمة دولية بموافقة الفريقين الاساسيين اللذين قاما في لبنان في آذار. ومعروف ان من اسباب عدم تمسك الامين العام لـ"حزب الله" باقتراحه "العربي" ليس فقط الحرص على تلافي فتنة داخلية بل ايضاً ادراكه ان ميزان القوى في لبنان لم يكن في السنة المذكورة اعلاه في مصلحته وتيقّنه ان ميزان القوى الاقليمي والدولي كان في غير مصلحته ايضاً ولاسيما بعد انخراط فرنسا واميركا (دولياً) والسعودية (عربياً) في المعركة التي فجّرها اغتيال الحريري. علماً ان هذين الادراك والتيقّن لم يعنيا ابداً ان "حزب الله" ضعيف او ان استفراده ممكن.
ما مناسبة تذكير اللبنانيين اليوم بأمر حصل عام 2005؟
لست انا من يذكّر اللبنانيين بهذا الامر، ذلك ان ذاكرتهم ليست ضعيفة خلافاً لما يعتقد كثيرون. بل ان "الامانة العامة لـ 14 آذار" هي التي ذكّرت الجميع بهذا الامر عندما اقترحت بعد اعلان رئيس الجمهورية ميشال سليمان تأليف هيئة الحوار الوطني وفي معرض انتقاد "تشكيلتها" دعوة جامعة الدول العربية الى الاشتراك فيها باعتبار ان البحث فيها سيتناول الاستراتيجيا الدفاعية في وجه اسرائيل التي تهدد لبنان يومياً بشن حرب مدمرة عليه. فما هي اسباب التحول الـ14 آذاري من التمسك بالعمل الدولي الى التمسك بالعمل العربي في محاولة ايجاد حل للاستراتيجيا الدفاعية؟
قد يجيب البعض عن هذا السؤال بالقول ان اقتراح "الامانة العامة لـ14 آذار" دليل على عروبة هذا الفريق وعلى ان خياراته الوطنية والسياسية في الداخل ومواقفه من سوريا ومن جهات اقليمية متدخِّلة في لبنان لم تكن بسبب تحالفات مع "الغرب" ورهان على المجتمع الدولي ورفض لأي دور عربي. وقد يكون هذا الجواب صحيحاً. لكن هناك جوابين آخرين يقدمهما متابعون لما يجري في لبنان والمنطقة عن السؤال نفسه يعزو اولهما "الدعوة العربية" لـ"الامانة العامة لـ 14 آذار" الى يأسها من المجتمع الدولي وخصوصاً بعد محاولته الانفتاح على سوريا وايران. ويعزو ثانيهما الدعوة نفسها الى اعتقاد بامكان نجاح الدول العربية عبر "جامعتها" باشتراكها في الحوار الوطني اللبناني في تدوير الزوايا وربما التوصل الى تسويات حول موضوع الاستراتيجيا. اما هذا النجاح فقد يحققه جو "التضامن" الذي بدأ يسود بين الدول العربية المتناقضة وفي مقدمها السعودية وسوريا وجو التخوف من عدوانية اسرائيل وجو ضرورة العمل لمواجهتها في حال استمرارها في تهديد لبنان والعرب. كما يعزو الجواب الثاني "الدعوة" اياها الى رغبة "الامانة العامة لـ14 آذار" في وضع الجامعة العربية شاهداً على اللبنانيين وتحديداً على الفريق الذي حدد استراتيجيته الدفاعية بل استراتيجيا لبنان من زمان ووضعها موضع التطبيق والذي يريد من اللبنانيين الآخرين التسليم معه بها ولها، والى رغبة في اعادة تعبئة الدول العربية من خلال الجامعة للعودة عن "التسليم" لسوريا في لبنان الذي تم قبل اشهر.
في اي حال سواء كانت هذه الاجوبة صحيحة أم لا فالاعتقاد السائد عند اللبنانيين هو ان اقتراح دعوة جامعة الدول العربية الى الاشتراك في الحوار اللبناني ليس موفَّقاً. فهذه الجامعة لم تحل نزاعاً لبنانياً او غير لبناني لا في الماضي ولا في الحاضر، ولن تفعل اجتماع الدوحة الذي أثمر اتفاقاً حمل اسمها ولم يكن ثمرة جهود الامين العام للجامعة عمرو موسى سواء التي بذلها في الفينيسيا او في امكنة اخرى. بل كان ثمرة تحرك قطري بين دمشق وطهران والسعودية وواشنطن فضلاً عن عواصم اقليمية ودولية عدة. وكان نتيجة تحرك فرنسي وعدم ممانعة اميركية. وقطر هذه لا تزال تقوم بالدور نفسه. لا بل تعزز دورها بعد "تصالح" السعودية وسوريا. ذلك ان الاثنتين تفاهمتا على الخطوط العريضة وتركتا التفاصيل ولا سيما اللبنانية منها لقطر. وهذا ما تقوم به جدياً ومن خلال استقبالاتها المتعددة لاقطاب ومسؤولين لبنانيين. علماً ان من يكره التفاصيل هو السعودية لا سوريا التي تعشقها.
في اختصار قد يكون لبنان الوطن "تيتَّم". فالمجتمع الدولي صار في مكان آخر، والمجتمع العربي صار في مكان آخر. والاثنان تبنيا قضيته في الـ2005 وقد يكونان تخليا عنها لان المصالح تسيرها وليس العواطف. والطامحون الى "تبنّيه" انحصر عددهم كثيراً جداً فصاروا واحداً او اثنين أو الاثنين معاً. وهما سوريا بشار الاسد وايران الاسلامية.
ملاحظة: لا يعكس العنوان رفضاً للعرب والعروبة بل قرفاً من ممارسات الدول التي تحكم شعوبها باسميهما. ومضمونه ينطبق على "الغرب" ايضاً.