لمن النجاح؟ - ساطع نورالدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
نجحت الانتخابات في العراق، اكثر من الدورة التي جرت عام 2005. لم يكن الاحتلال الأميركي حاضراً، لا في عمليات الاقتراع ولا في ما سبقها من حملات. لم يكن جوهر المعركة ولا حتى أحد شعاراتها. كأنه ليس موجوداً، او كأنه خرج قبل موعده المقرر. حضرت بعض التفجيرات والعمليات الانتحارية، لكنها لم تكن موجهة ضد المحتلين الأميركيين، وهي بالتالي لم تؤثر في جدول أعمالهم، ولا في برنامج الناخبين العراقيين الذين توجهوا بأعداد قياسية الى مراكز الانتخاب.
هي بالتعريف معركة انتخابية تحت سقف الاحتلال، الباقي عملياً حتى نهاية عام 2011 ، لكن الهامش السياسي الذي يتيحه المحتل للعراقيين اكبر من الهامش الذي يتمتع به اي بلد عربي أو إسلامي آخر، لأسباب عديدة أهمها أن الأميركيين انفسهم استنفدوا تجربتهم العراقية التي لم يبق منها سوى الرهان على شراكة اقتصادية ونفطية بعيدة المدى، وما عادوا يخفون القول لجميع زوارهم العراقيين إنهم قدموا «تضحيات» من أجل العراق، وقد آن الأوان لاستثمارها او تعويضها. والأرقام المتداولة في هذا المجال فلكية. وهي لا تواجه اي اعتراض جدي من أي من الجماعات العراقية.
لذلك بدا بالأمس أن القرار الوطني العراقي مستقل الى حد بعيد، يستفيد من الغطاء الأميركي لكي يتمرد على إيران مثلاً التي رمت على مدى الأشهر الماضية بثقلها الكامل لكي توحد الشيعة في كتلة واحدة ولم تفلح، ولكي يواجه سوريا والسعودية اللتين شاركتا في المعركة بتواضع وحذر شديدين، ولكي يعبر عن نفسه للمرة الأولى باعتباره متقدماً على جميع دول الجوار من دون استثناء.
هو نجاح أميركي حتماً، لكنه ايضاً نجاح شيعي لا شك فيه، اذ استطاعت الغالبية الشيعية ان تقدم صورة فريدة عن جماعة تحتكم الى اللعبة الديموقراطية سواء في صراعاتها السياسية الداخلية، او في رؤيتها للمستقبل العراقي. هي لا تتطلع الى دولة دينية يديرها ولي الفقيه، ولا الى دولة حزبية تستمد من الطائفة دستورها وقوانينها وتفرضها على الآخرين. ثمة تسليم مطلق بأن التعددية العراقية هي شرط بقاء للجميع. وتنظيمها لا يخضع لأي محرمات. حتى الاجتثاثات التي راجت خلال الحملة الانتخابية بذريعة البعث والصداميين كانت من أدوات المعركة السياسية لا من عناصرها الأساسية.. وكانت تضخيماً لمخاطر قديمة لم يكن لها أساس.
التحول الجوهري حصل في العراق. تمكن الأميركيون من تغيير النظام. وتمكن الشيعة من إقامة نظام بديل قابل للصمود والبقاء، لأنه لا يتعرض لتحديات جدية لا من غالبيته الحالية ولا من أقليته التي اعترفت بموقعها الأقلوي، ولا من الخارج الذي لم يعد يتمتع بالقدرة على قلب ذلك النظام، هذا اذا كانت مثل هذه الرغبة موجودة أصلاً..
ولا طبعاً من الكرد في الشمال الذين يتنعمون للمرة الأولى في تاريخهم بقدر كبير من الحكم الذاتي المرفق بمكاسب اقتصادية تضمن بقاءهم في الدولة العراقية الى الأبد.
انتخابات الأمس زادت العراق قوة ومنعة. لكن الحذر واجب.
| التالي | السابق |
