Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

من رفعة الميثاق إلى سفول الخناق - سمير عطالله (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

مع بداية الحوار في القصر الجمهوري جاء المكتبات مؤلفان عامران: الاول، سيرة ومرحلة الشيخ بشارة الخوري، للاستاذ وليد عوض، والثاني سيرة ونضال رياض بك الصلح، للصحافي البريطاني باتريك سيل. وكما جمع عوض، ببراعة، بين الصحافة والتأريخ، جمع باتريك سيل، بتميز، بين الصحافة وكتابة السيرة، ومنها السيرة المأذون بها الوحيدة للرئيس حافظ الاسد.
ويبدو للوهلة الاولى، عندما يرد اسما الشيخ بشارة ورياض بك، معا او منفردين، انهما الرجلان اللذان صنعا استقلال لبنان، لكن الواقع انهما ابدعا ما هو اهم من ذلك بكثير، فالاستقلال مطلب بديهي بسيط، نشدته جميع الشعوب من ادغال افريقيا الى مستنقعات آسيا. اما ما تجاوز الاستقلال والحرية ونهاية الانتداب، فكان ان عبقريين جليلين من عباقرة الشرق، وضعا ميثاقا "انسانيا" للتجانس في التغيّر، والتشابه في التنوع، كان يشبه في عمقه، تلك المواثيق التي اقامتها الامم الكبرى.
وضعا الاناء. اما من حطمه وكسره ونثره في ما بعد، فليس ضمن مسؤوليات صاحبي الابتكار الذي عرف بالميثاق الوطني. هما، كان عليهما الكِبْر. جاء بشارة ورياض من عالمين متباعدين، في فناء واحد. ثقافة مختلفة، وادراك واحد، ورفعة انسانية واحدة. بيتان بألوان مغايرة ومنزل ببيوت كثيرة. المسيحي بينهما، كان والده قاضيا في الشرع، متخرجا من الكلية العثمانية، والمسلم كان يسجنه الاتراك لانه يطلب الحرية. المسيحي كان من خطباء العرب، وبلغاء العرب، لكنه كان يتبع حياة اجتماعية منفتحة على نهج الغرب، والمسلم فيهما كان متزوجا من سورية تحجب حسنها، الا يوم دخلت مقر المندوب السامي البريطاني تهدد اذا مُسّ رياض. تلك لحظة دوّنها الجنرال سبيرس على ان الحجاب انشق عن اجمل النساء في عاصمة – الكلام له – تعج بستات الحسن.
بشارة الخوري، صاحب الفكر العربي والرؤية المحيطة، كان يعرف ان الجغرافيا تصنع التاريخ، كما قال نابوليون. ورياض الصلح، صاحب الآفاق لم يكن يرى غضاضة في ان يمنح المسيحيون لبنان بعدا امميا ضمن الدائرة العربية. "اجمل التاريخ غدا"، قال سعيد عقل. هكذا جلس لبنانيان، عربيان، استقلاليان، يرسمان لبلد قابل للحياة وفاقا لقيم تساوي بين الكرامات، وتعوض صغر الحجم بكبر المثال وألق النموذج.
وقد كان هذا زمن الألق المقتدى. في اي حال. مكرم عبيد في مصر، وفارس الخوري في سوريا، وجورج انطونيوس في فلسطين، وامين الريحاني يركب البحار والصحاري والابل لكي يبشر "العربان" في الجزيرة والعراق بأن لا حل الا بالوحدة وان الخطر الصهيوني يتأهب للوثوب، على سرج اميركي فوق حصان بريطاني.
لم تكن المسألة تتطلب عقلا كبيرا فقط، مثل عقلي بشارة ورياض. كانت تتطلب، خصوصا، أفقا وخلقا وقلبا قادرا على تجاوز الانانيات وصغارات الموروث، لكي يقام مكانها بيت الحرية وعليها شرعة الأمة. من اجل القيام بالسفينة، كان لا بد من ان ترمى في البحر، اثقال جمة. لا يقوم وطن على ثأر، ولا دولة على ضغينة. لذا كان لا بد من اعادة انشاء لبنان، ليس بالتنكر لتاريخه، وانما برفعه الى تاريخ جديد، عماده الالفة والمصالحة والرؤية المشتركة.
ليس اسهل من الاستسلام للفطرة الرديئة وعماية الغريزة. لكن هذه اسلحة الهدم لا ادوات العمران. من اجل ان ينقذ بيار اليوت ترودو وحدة كندا، لم يعلن حال الطوارئ، بل حال الحرب. العدو الداخلي غالبا افظع من العدو الخارجي. لا يمكن التسامح مع انبياء التفكك. لذلك كان على بشارة الخوري ان يرفض سذاجة الفكر الانعزالي الذي كان يغذيه خوف المجهول، كما كان على رياض الصلح ان يقمع الفكر الرفضي المشكك في جدوى الشركة، او خصوصا في احقية الشريك الآخر ضمن العقد الوطني، اراد المسيحي، في دخلته، حلفا غير عربي لكي يضمن حريته الاجتماعية، واراد المسلم وطنا غير لبنان لكي يضمن سيادته العربية.
هكذا ابتُكر الميثاق. او الملتقى. تأتي الحلول عادة من عند اهل الخبرة. مرة واحدة قد تأتي من عند اخوت شانيه، وفقط على سبيل الفكاهة. لكن الاوطان والمواثيق والقوانين، يقوم بها اصحاب التجارب واهل الجذور وذوو الصدور الوسيعة والقناعات الكبرى التي لا تخور. الصدور الضيقة لا تعرض سوى الغضب والاثرة وأنا متنافخة.
يقدم لنا وليد عوض وباتريك سيل عملاقين من عمالقة الحوار فيما يدخل المتحاورون الجدد القاعة وقد اداروا ظهورهم بعضهم للبعض ومنعوا صدورهم بعضهم عن البعض. هل نحن على بعد 50 عاما من زمن بشارة ورياض والميثاق، ام على بعد 50 قرنا؟ الافضل عدم الاجابة.
لقد كلَّ البلد وتصدأ لكثرة ما أظمأناه الى شيء من الرأفة. والناس هجرات لا عودات. والاجيال تنظر الى الماضي في سخرية، التي هي اوضح وافضح نتاج الغلو في الجهل والبرم بالتبصر. الصدور الضيقة لا يمكن اطلاقا ان تتقبل ثقافة الحوار ومبادئه وقواعده واخلاقياته. وهي ترفضه في الشكل لانها تخشى ان يهزمها في الجوهر. فالحوار الحقيقي هو صفاء الحكمة، كما حصل مع افلاطون وارسطو وكونفوشيوس وجميع المعلمين الكبار.
كانت السياسة في زمنهما ترضّياً لا ارتضاء. كان لكل منهما ضعفه البشري، قل او استشرى، لكنهما كانا يدركان انهما لا يصنعان السياسة وحدها بل يمهدان للتاريخ. وكان مستشار رياض وسراجه رجل كمثل تقي الدين الصلح. وكان كل شيء يحل بالحوار او يقضى بالتسوية. ومن يقرأ. مذكرات بشارة الخوري يأنس الى لغة بلاغتها في آدابها لا في ادبها. وبما له من خلق وادراك معا، سبق فؤاد شهاب الى كرامة العزلة والترفع عن مسالك ومهالك السياسات الصغرى وشبق التسلط والتمول.
يعطي وليد عوض، مؤرخا ماتعا، الشيخ بشارة، الصورة التاريخية المستحقة. ويغوص باتريك سيل في سيرة طويلة عابقة برغم الاغتيال القاصف. ومن خلالهما يبدو هذا الوطن المذل والصغير، بلدا على مستويات الدول، فكرا وعمقا وتبصرا باحوال الامم. وحتى الشعب نفسه يبدو يومها مجموعة مواطنين وعقلاء وادراكيين، وليس فِرَقاً ترمي الزجاجات الفارغة من النوافذ. كان ذلك زمن الحلم الجميل لا زمن الحلم الواحد بالخروج من الكابوس. الحلم بمكانة بين الدول لا بمكان على القارعة. وطن مولود لا وطن شديد ومرتعد على ماذا ينام وعلى ماذا يقوم.
تخطف الصحافة الكتّاب الى يومياتها وعجالاتها. ولو لم تفعل لكان لنا من وليد عوض اكثر من اثر تاريخي. وربما لتفرغ كثيرون الى تأريخ المراحل المعاصرة قبل انقضائها. وكم هو مهم ان تستعاد الفترات التاريخية قبل ان تبعد كثيرا في فضاء النسيان.

سمير عطاالله
((*) احتفت الحركة الثقافية في انطلياس، التي حلت محل "الندوة اللبنانية" في وجوه كثيرة، بالاستاذ محمد السماك، صحافيا وكاتبا ورجل حوار. عاتبت نفسي كثيرا على التغيب، ولو بداعي السفر البعيد. ويمثل محمد، بالنسبة اليّ، نموذج الارتقاء الوطني والقومي وخصوصا الانساني. ليس كخطاب وانما ممارسة وسلوكا وخلقا. ويؤسفنا ان لا تضم طاولة الحوار ممثلين للعمق والاتزان، ولذلك الفريق من الناس العميق الايمان بدينه بحيث يعلي مسألة الحوار الى مستوى الالفة. خلال القمة الروحية في الكويت مازحني المفتي الراحل الشيخ حسن خالد امام الحاضرين قائلا: "هل يعقل يا فلان ان تكون مارونيا؟"، فأجبت على الفور ومحمد السماك الى جانبه: "تماما بقدر ما يعقل ان يكون السماك سنيا". تحية الى اخي محمد، وشكرا لحركة انطلياس.)

← Back to Selected Articles