بعض الدروس العربية من تجربة النقد الموحد الأوروبية - مازن سويد (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
انعقد في بيروت اخيراً المؤتمر المصرفي الثالث عن "النقد العربي الموحد". وقد لفت عدد من المشاركين إلى صعوبة تحقيق هذا الهدف قبل قيام سوق عربية مشتركة أو اتحاد جمركي أو منطقة تجارية حرة. وكان المؤتمر مناسبة جرى خلالها التعرض لبعض القضايا المتعلقة بالسياسة النقدية والرقابية والتنسيق المطلوب ما بين المصارف المركزية العربية على هذا الصعيد.
وعلى الرغم من أن موضوع النقد العربي الموحّد يُطرح بين الحين والآخر على صعيد البحث العام، فإنه لا يجري التقدم على اي صعيد اقتصادي أو مالي أو رقابي يساهم في تحقيق تقدم عملي على مسارات اعتماد الوحدة النقدية العربية. هذا طبعاً باستثناء استمرار الجهد والعمل القائمين لاستحداث العملة الخليجية الموحدة، التي أعلنت كل من سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها منها بعد سنوات عدة من التحضير والتأسيس.
والحقيقة أنّ انطلاق البحث في مسألة الوحدة النقدية أولاً وقبل تحقيق خطوات ملموسة على صعيد السوق الاقتصادية المشتركة أو حتى القيام بخطوات بسيطة كإلغاء تأشيرات الدخول بين جميع الدول العربية (على غرار ما هو حاصل بين دول مجلس التعاون الخليجي أو على الأقل على غرار ما تم اخيراً بين تركيا وسوريا وتركيا ولبنان وقبل ذلك بين لبنان وسوريا ولبنان والأردن)، يشكل بحد ذاته مقاربة أقل ما يقال فيها إنها متسرعة، كونها تبدأ البحث بتثبيت رأس الهرم بينما يكون من الأجدى أن تبدأ المسيرة بتعزيز أسس هذا الهرم وركائزه ودعائمه.
لقد عملت البلدان الأوروبية منذ العام 1957 على التأسيس لإنشاء السوق الاقتصادية الأوروبية المشتركة، التي أسست بدورها لخطوة العملة الأوروبية الموحدة وهو ما تم الدفع جدياً في اتجاهه في العام 1989. ولقد شكلت معاهدة ماستريخت الموقعة في العام 1992 الإطار الرئيسي الذي قامت على أساس معاييره الوحدة الاقتصادية والنقدية الأوروبية.
والواقع أن اعتماد معايير اتفاقية ماسترخيت لم يأتِ بشكل اعتباطي ذلك أنها ركزت على تلاؤم مؤشرات الموازنة العامة والدين العام وتناغمها لدى كل من الدول الأعضاء. فقد حددت سقفاً لعجز الموازنة بنسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وحددت سقفا للدين العام بنسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي، إدراكاً من صانعي السياسات المالية والاقتصادية والنقدية في أوروبا أن العجز في الموازنة وارتفاع الدين العام يشكلان العاملين الأخطر على استقرار سعر النقد. وقد تم هذا التقارب التدريجي في مؤشرات المالية العامة والدين العام لدى الدول المنتمية للاتحاد الأوروبي على مدى سبع سنوات وهي الفترة التي مهدت الطريق إلى إطلاق العملة الموحدة- الأورو رسمياً في العام 1999. لكن تلاؤم تلك المؤشرات المالية وتناغمها لم يعنِ بالضرورة وحدة السياسات المالية، وبالتالي لم يعنِ ان الصدمات الاقتصادية في حال حدوثها ستؤثر بالقدر ذاته من التداعيات على تلك المؤشرات في مختلف البلدان الأعضاء في الوحدة النقدية.
وعلى ذلك وفي ضوء التجربة فقد تبين بالفعل كيف تباعدت نسب العجز المالي إلى الناتج المحلي الاجمالي ونسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في مختلف البلدان الأعضاء في الاتحاد النقدي الأوروبي عن المعايير المعتمدة في اتفاقية ماستريخت نتيجة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي بدأت في العام 2008. فارتفع العجز المالي والدين العام بشكل ملحوظ في اليونان، وإسبانيا، وإيرلندا وإيطاليا على سبيل المثال، بينما حافظت مستويات العجز والدين على شيء من استقرارها واستمر الالتزام بمعايير معاهدة ماستريخت في كل من ألمانيا وهولندا والنمسا.
والملاحظ أن البلدان الأكثر تأثراً بالأزمة المالية العالمية لناحية تزايد العجز في المالية العامة هي البلدان التي كانت أصلاً تعاني عجزاً في الحساب الجاري، وهو يمثل الميزان المتعلق بمجموع الصادرات التجارية والخدماتية ناقصا المستوردات التجارية والخدماتية، وهو ما يساوي أيضاً صافي المدخرات الوطنية (أي الناتج المحلي الإجمالي ناقصا الاستثمار والاستهلاك في القطاعين العام والخاص). فمن المتعارف عليه اقتصادياً أن العجز المالي والعجز في الحساب الجاري هما توأمان يمهد أحدهما للآخر (Twin Deficits)، إذ تشكل الدولة أكبر مستهلك وأكبر مستثمر في الاقتصاد، وبالتالي فإن اي تضخم في عجزها المالي الناتج عن ارتفاع الاستثمار والاستهلاك لدى القطاع العام في مقابل وارداتها سيؤدي عاجلاً أم لاحقاً إلى عجز في الحساب الجاري لديها.
وبالفعل لم تقارب اليونان وبعض الدول الأوروبية الأخرى مسألة التكامل الاقتصادي والوحدة النقدية كمحفّز لمتابعة الإصلاحات الاقتصادية والمالية، بل كوسيلة للاستدانة بكلفة أقل، وذلك في سعيها لتمويل العجز المستمر في المالية العامة. وقد أدى ذلك إلى تفاقم العجز في الحساب الجاري- ومن جهة أخرى أدى فقدان تلك البلدان تنافسيتها تجاه بلدان أوروبية أخرى كألمانيا إلى ازدياد مطرد في العجز في الحساب الجاري.
وكانت بلدان الجنوب الأوروبي عموماً قد فقدت الكثير من قدرتها التنافسية تجاه بلدان الشمال الأوروبي بسبب تقارب كلفة عوامل الإنتاج بين الجنوب والشمال ولاسيما بفضل حرية تنقل الكفاءات واليد العاملة بين بلدان السوق الأوروبية المشتركة، في حين كانت معدلات الإنتاجية أكثر تطوراً وارتفاعاً في بلدان الشمال عنها في بلدان الجنوب ولا تزال، وذلك لأسباب اقتصادية واجتماعية وتاريخية ولارتباطها بتطور اقتصاد المعرفة، ومستويات التعليم ونوعيته، وتوافر رأس المال، وعمق الأسواق المالية وتنوعها.
لقد أدى إذاً الارتفاع السريع في العجز المالي للدولة اليونانية والذي تجاوز الـ12% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2009، وكذلك الارتفاع في حجم الدين العام الذي تجاوز 113% من الناتج المحلي في العام ذاته، إلى ارتفاع كبير في فارق كلفة خدمة الدين العام بالمقارنة بين اليونان وألمانيا، حيث تجاوز فارق الفائدة على سندات الخزينة ذات الآجال لمدة عشر سنوات مثلاً الأربع نقاط مئوية. وعلى ذلك لن يكون بمقدور اليونان خفض مستويات الدين العام للناتج المحلي إذا لم يتم خفض معدلات الفائدة بشكل كبير. وهذا ما يتطلب بدوره العمل على خطين متوازيين: أولاً الحصول على قروض مدعومة من الدول الأوروبية ومن صندوق النقد الدولي، وهو ما تمّ الالتزام به بعد مفاوضات مريرة وتردد كبير من قبل ألمانيا، وثانياً النجاح في تحقيق خفض كبير وفوري بنسبة العجز المالي إلى الناتج المحلي. وتحتاج عملية هذا خفض في نسبة العجز المالي إلى خفض استثنائي في عجز الحساب الجاري وهو ما يستدعي خفضاً كبيراً في قيمة العملة المعتمدة في اليونان اي الأورو (وهو أمر غير وارد) أو بتحقيق خفض في مستويات الأسعار المحلية، وهذا ما يستوجب بدوره تنزيلاً مهما في مستويات الأجور والرواتب في القطاعين العام والخاص. تجدر الإشارة إلى أن مستويات الأجور والرواتب ارتفعت في اليونان بنسبة 45% بين العام 1998 والعام 2008 بينما ارتفعت فقط بنسبة 2% في ألمانيا في الفترة نفسها. ذلك ما ساهم في تدهور القدرة التنافسية في اليونان بسبب عدم تحسن الانتاجية بالقدر ذاته في اليونان مقارنة بما هي عليه في ألمانيا.
تقل الخيارات إذاً أمام اليونان ويضيق الأفق وتصل الحكومة إلى أكثر القرارات صعوبة على الصعيد الاجتماعي اي الاضطرار إلى خفض قيمة الرواتب والأجور. ولكن هل سيكون ذلك كافياً أو حتى مفيداً؟
ليس الانكماش في الأسعار أمراً محموداً في الاقتصاد في المدى الطويل. وقد طوّر الاقتصادي إيرفينغ فيشر في مقالة شهيرة كتبها في العام 1933 معادلة تطور قيمة الدين في ظل انكماش الأسعار وأثر ذلك على الحركة الاقتصادية (Debt-Deflation- Depression cycle)، والتي تبين أن انخفاضاً للأسعار في ظل وجود دين مرتفع لدى القطاع الخاص يؤدي حتماً إلى انكماش اقتصادي كبير. إذ أن الدين ذا القيمة الإسمية الثابتة يضحي عبئاً كبيراً على المؤسسات الاقتصادية في ظل انخفاض الأسعار، أي عملياً في ظل ارتفاع قيمة الدين الحقيقية. ذلك ما يؤدي إلى إفلاس العديد من تلك المؤسسات الاقتصادية. وبالتالي تتأثر المصارف سلباً بمحفظة الديون الجامدة أو غير القابلة للتحصيل، كما تنخفض بطبيعة الحال التسليفات والاستثمارات، وترتفع البطالة وهو ما يتسبب بدوره في دخول الاقتصاد في حلقة جديدة من خفض الأجور والأسعار وارتفاع قيمة الدين الحقيقية وبالتالي إفلاس المزيد من الشركات وتعميق حالة الانكماش في الاقتصاد.
وقد أدت تلك المعادلة لاحقاً إلى دفع الرئيس الأميركي فرانكلين ديلانو روزفلت إلى مجابهة خطر انخفاض الأسعار في زمن الانكماش الاقتصادي الكبير بالعمل على خفض قيمة الدولار بنسبة 60% مقابل الذهب في أوائل العام 1934.
ماذا يعني كل هذا؟ يعني ببساطة أن اليونان، وفي غياب دعم سخي وفوري ومتواصل من البلدان الأوروبية الأخرى كانت ستواجه عاجلاً أو آجلاً وضعاً تختار فيه بين قرارين أحلاهما مر: إما الانسحاب من الاتحاد النقدي الأوروبي والعودة إلى عملة يونانية وخفض قيمتها (وهو خيار يبدو حالياً مستبعداً)، وإما إعلان الإفلاس المالي. وعندها، يشكل اي خيار منهما صفعة قوية لتجربة النقد الموحد وذلك بالرغم من سنوات الجهد الطويلة والشاقة من التحضير لتلك التجربة اقتصادياً ومالياً ومؤسساتياً. وقد أدركت بعض الدول الأوروبية ذلك، فضغطت على ألمانيا بشدة لفتح الطريق أمام إنقاذ أوروبي مشترك لليونان (Bail out)، كانت بشائره إعلان الاثنين في 12 آذار 2010 عن الالتزام بمساعدة بقيمة 30 مليار يورو بفائدة 5% لثلاث سنوات، أي بفائدة أقل من تلك التي يطلبها السوق على الدين العام اليوناني. ولقد شكل هذا الالتزام خطوة مهمة كونها قد تساعد على سدّ الفجوة التمويلية المتبقية لليونان في العام 2010 ولكنها لا تعني بأن اليونان قد خرجت كلياً من خطر الإفلاس في المدى المتوسط، وذلك في ظل استمرار ارتفاع العجز في المالية العامة بينما المطلوب خفضه كما ذكرنا سابقاً. ومما يزيد الأمر تعقيداً أن الدعم الأوروبي المستمر، وخاصة من قبل ألمانيا، ليس أمراً مضموناً في المدى المتوسط أو حتى القريب.
لقد ترددت ألمانيا بمساعدتها لليونان لأن الشعب الألماني رفض ببساطة أن يدفع ضريبة إنقاذ شعب آخر تربطه به وحدة اقتصادية ونقدية، إذ اعتبر أن الحكومة اليونانية لم تقم بالإصلاحات الضرورية على مدى السنوات العديدة الماضية. فالمواطن الألماني على سبيل المثال لا يستطيع إلا أن يتساءل لماذا عليه العمل حتى سن الـ65 (وهو سن التقاعد في ألمانيا) ليتحمل كلفة إنقاذ اليونان من الإفلاس، وهي البلد التي يتقاعد عمالها وهم في سن الستين.
فالوحدة المالية في نظر عدد من الدول والشعوب هي شيء آخر أكثر دقة وتعقيداً، إذ هي في الحقيقة نوع من أنواع الوحدة السياسية وحتى الاجتماعية ولذلك تبقى أوروبا غير مستعدة لهذا النوع من الوحدة على ما يبدو بالرغم من سنوات طويلة من التحضير والعمل الجدي المشترك.
يجتمع إذاً بعض المسؤولين والخبراء العرب لمناقشة مسألة النقد العربي الموحد، ويناقشون الآليات الاقتصادية والمصرفية والرقابية، ولكن السؤال الأساسي يبقى: هل تستطيع الحكومات العربية، التي تختلف وتتفاوت سياساتها المالية ونسب عجوزاتها إلى الناتج المحلي كما تختلف مستويات دينها العام والخاص إلى الناتج المحلي بنسب كبيرة، أن تؤسس لتلاؤم في سياسة المالية العامة، خاصة في بلدان عربية تختلف فيها جذرياً نسب الفقر والبطالة والأميّة إلى ما هنالك من مؤشرات اجتماعية وصحية وتربوية وحيثيات مناطقية وسياسية. وإذا كان الأمر معقداً كذلك، هل يعني هذا بأننا لا نستطيع أن نتطلع يوماً إلى اتحاد اقتصادي ونقدي عربي؟
يقول بعض الاقتصاديين أن الأحرف الثلاثة في اسم صندوق النقد الدولي IMF هي في الحقيقة: It’s Mostly Fiscal أي أن الإصلاح المتواصل والمستمر على صعيد المالية العامة يبقى الجهد الأهم والأكثر تأثيراً على تحقيق المكتسبات الاقتصادية والنقدية واستدامتها.
قد يكون أفضل ما تقوم به إذاً كل دولة عربية، وبالأخص لبنان،على صعيد التأسيس للعمل العربي المشترك، هو السير قدماً على مسارات الإصلاحات المالية والإدارية والاقتصادية ولاسيما في ما خص تحديث القوانين الضريبية وتحسين الجباية وترشيد الإنفاق وترشيق الإدارة ورفع مردودية الاستثمار والتدخل الاجتماعي وإصلاح الضمان الاجتماعي وإشراك وتعزيز الدور الذي يتولاه القطاع الخاص في الاقتصاد إلى ما هنالك من إصلاحات أخرى تزيد من الإنتاجية وتتلاءم مع متغيرات العصر، وصولاً إلى خفض مستمر في نسب العجز المالي والدين العام إلى الناتج المحلي وهي كلها عوامل أساسية، تؤثر إيجاباً على معدلات النمو الاقتصادي وتحفّزه وتزيل العوائق من أمامه.
والحقيقة الأساس تبقى أننا نحتاج جميعاً إلى السير قدماً على مسارات الإصلاح، سواء اتجهنا أو لم نتجه نحو العمل العربي المشترك والاتحاد الاقتصادي والوحدة النقدية.
لقد دلت تجربة اليونان أن اي وحدة اقتصادية أو نقدية على أهميتها، لا تشكل بديلاً من الإصلاح المالي المطلوب تواصله واستمراره لمجابهة التغيرات والتحديات المستمرة على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية.
(مديـر الأبحـاث في "بنـك البحـر المتوسـط")