«غيمة» عراقية بين سوريا و«المملكة» لن «تُمطر» في لبنان - خضر طالب (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لوهلة أولى، كادت التفسيرات تنجرف نحو وضع قنبلة طرابلس الليلية، التي ألقيت أواخر الأسبوع الماضي بين باب التبانة وجبل محسن، في سياق عودة تبادل الرسائل الساخنة محلياً وإقليمياً، لولا أن سارعت مخابرات الجيش اللبناني إلى «لجم» تلك القراءة بإجراءات ميدانية تقفل فيها صندوق البريد..
والواقع أنه منذ حادثة قوسايا في البقاع والاتهامات التي تلتها، بقي السؤال يدور حول نفسه للتدقيق في خلفياتها، خصوصاً أنها فتحت ثغرة في جدار الواقع اللبناني الذي نشأ بعد الانتخابات النيابية وما تلاها من زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى دمشق، على قاعدة التفاهم السوري ـ السعودي.
ومنذ أن افتعلت «قضية الصواريخ» على خلفية اتهام الإدارة الأميركية لسوريا بتزويد حزب الله بصواريخ سكود، حتى تصاعدت وتيرة التكهنات باحتمال حصول اهتزاز في ركائز التفاهم الإقليمي ـ الدولي الذي يحكم توازن الواقع اللبناني، بالتزامن مع تصعيد إسرائيلي متدرج نحو سوريا ولبنان.
كل ذلك أوحى بوجود خلل في العلاقة بين الرياض ودمشق، وأن هذا الخلل لا بد أن يترجم نفسه لاحقاً في لبنان بأشكال مختلفة، إلى أن جاءت زيارة وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى بيروت، التي أسهمت في الدفع نحو قراءتين متناقضتين في فهم أبعادها، تبعاً لربطها بطبيعة العلاقة بين المملكة العربية السعودية وسوريا، وما إذا كانت ثابتة على التفاهم أم أنها في مرحلة من التباين.
هل ثمة خلاف جدي بين دمشق والرياض؟
لا يملك المؤيدون لوجود هذا الاحتمال سوى الواقع العراقي كتعبير عن ذلك الخلاف، خصوصاً في ظل التأخير في عملية تشكيل الحكومة العراقية بعد الانتخابات التي كان التحالف فيها بين سوريا والمملكة مثمراً في فرض واقع سياسي جديد.
وبحسب تلك القراءة، فإن التباين بين العاصمتين حول ما بعد الانتخابات وشكل الحكومة هو الذي ما زال يعرقل إنتاج التسوية العراقية، ويساهم أيضاً في تصعيد أمني من خلال التفجيرات التي وقعت الأسبوع الماضي.
وفي رأي أصحاب هذه النظرية أن التباين لم يبلغ بعد مرحلة التوتر، لكن لا يبدو أنه سيطوى سريعاً، مما يعني أن احتمالات انتقاله إلى ساحات أخرى واردة، وبالتحديد إلى لبنان، في حال اضطر الطرفان إلى ممارسة الضغوط المتبادلة.
في المقابل، تبدو مؤشرات استمرار مفاعيل التفاهم السوري ـ السعودي أكثر وضوحاً، وهي تعبر عن نفسها في أكثر من عنوان لبناني:
ـ مشاريع التوافق التي «تهبط» في الانتخابات البلدية على المدن الرئيسية، افتتاحاً بمدينة صيدا وانتقال نموذجها إلى طرابلس مع احتمال أن تنتقل عدواه إلى العاصمة بيروت.
ـ موقف رئيس الحكومة سعد الحريري المتقدم بشأن الاتهامات الأميركية ـ الإسرائيلية لسوريا بتزويد حزب الله بصواريخ سكود، والذي وفّر للحزب عملياً غطاءً شرعياً واحتضاناً على المستويين الرسمي والشعبي، ووصل به الأمر الى اتهام الأميركيين بالكذب على طريقة ما فعلوا بالعراق في زمن صدام حسين.
ـ حفل استقبال السفارة السورية في بيروت، والذي تجاوز كل التقديرات من حيث حجم الحضور ونوعيته وتنوعه السياسي، خصوصاً أن معظم الذين كانوا من المنضوين سابقاً تحت الخيمة السعودية شاركوا في ذلك الاحتفال.
ويعتقد المؤيدون لهذه القراءة أنه ربما تكون هناك فعلاً غيمة في سماء العراق تفصل بين سوريا والسعودية في هذه المرحلة، لكن الأكيد أن تلك الغيمة لن تنتقل إلى أجواء لبنان ولن تمطر فيه، باتفاق بين البلدين يبدو ثابتاً وما يزال يحمي الاستقرار الداخلي اللبناني.
ويعزز هذه القراءة ما ينقله قطب لبناني رفيع عن طبيعة العلاقة بين دمشق والرياض، حيث يجزم بأن ما قام بين العاصمتين متين جداً، وأن القناة المفتوحة بينهما عبر نجل الملك عبد الله الأمير عبد العزيز تلعب دوراً أساسياً في تثبيت وتعزيز العلاقة، خصوصاً أن الرئيس السوري بشار الأسد يكن له مودة خاصة وثقة كبيرة، مما يعطيه القدرة على تعطيل الكثير من الألغام التي قد تنشأ بين البلدين.
وسط هاتين القراءتين جاءت زيارة الوزير أبو الغيط إلى بيروت من خارج أي سياق معلن، لكن حيثياتها والمواقف التي أطلقها خلالها ساهمت على الأغلب في تعزيز الرأي القائل بثبات التفاهم السوري ـ السعودي، بل دفع ببعض المتفائلين إلى اعتبار أن هذا التفاهم نجح في ضمّ مصر أخيراً إليه بعد أن بقيت خارجه طيلة الفترة الماضية، وربما لم تكن مقتنعة حتى بجدواه أو حاولت عرقلته... لا بل ان جزءا من زيارة أبو الغيط الى بيروت بدا موجها الى سوريا عبر تبرئتها من قضية «السكود»، علما أن الوزير المصري ألمح في أحاديثه مع سياسيين وإعلاميين التقاهم أن الرئيس السوري سيزور القاهرة وأنه ستترتب على الزيارة «نتائج سحرية»!
لكن زيارة أبو الغيط لم تحمل مغزىً واحداً فقط يمكن سبغه عليها، فالحراك المصري المستجد في لبنان يحمل أكثر من عنوان، خصوصاً أنه تضمّن دعوة رسمية لرئيس مجلس النواب نبيه بري لزيارة القاهرة، بالتزامن مع المواقف التي أطلقها أبو الغيط نفسه من بيروت بشأن قصة الصواريخ والتي جاءت بشكل غير مباشر لتدافع عن سوريا و«تبرّئ» حزب الله من «تهمة» الحصول على صواريخ سكود، وهو ما ترك ارتياحاً كبيراً في أوساط حزب الله يسمح بفتح قنوات حوار غير مباشر بين القاهرة والحزب بعد فترة من التوتر الشديد والقطيعة التي ترجمتها مصر بتوقيف خلية الحزب بتهمة تهريب السلاح إلى حركة حماس في غزة... وثمة حديث عن مخرج ما لهذه القضية تولاه رئيس الحكومة سعد الحريري.
لكن الحراك المصري نحو لبنان استبقته القاهرة من العراق عندما قام السفير المصري في بغداد بأول زيارة إلى المرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني، حاملاً رسالة من الرئيس المصري حسني مبارك وبتكليف من وزير الخارجية أحمد أبو الغيط.
من هنا، ثمة من يرى أن القاهرة تعيد ترتيب علاقاتها التي عرفت توتراً في المرحلة الماضية مع بعض الأطراف في لبنان، وأبعد من لبنان، في ما بدا أنه يصب في خانة إعادة تموضع مصرية في المنطقة، إلا إذا كانت القاهرة تبحث عن دور في لبنان.. ومنه أيضاً وعندها لنراقب الاستقبال الذي ستقيمه في العيد الوطني المصري لاصدار الأحكام...