قانون تشارلز لينش - سمير عطالله (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
كان سقراط يعتقد ان الفضيلة أهم من القانون، لكنه كان يعتقد أيضاً ان ذروة الفضيلة احترام القانون. هكذا اختار ان ينصاع لقوانين أثينا، لا ان يناقشها. وأفضل ما قرأت في تعريف القانون، مدى العمر، ان القانون هو الانضباط، وان حكم القانون هو ان يتقبل الانضباط أولئك القادرون على رفضه بسهولة. وهذا لا يكفي أيضاً. فالقانون يقضي بأن يكون "ضبط النفس منتظماً ودائماً". اي لا يقبل الفوارق ولحظات الشر، التي نسميها لحظات الضعف.
يؤدي الرؤساء والحاكمون والقضاة والمسؤولون، ما يعرف باليمين أو القسم، تأكيداً لكونهم جميعاً دون القانون، لا فوقه، ولا في موازاته. أباطرة روما وقضاتها، أدوا اليمين على القوس، متعهدين الخضوع للقوانين القائمة. وكان قسم ملوك قشتالة يقول: "ملكاً تكون اذا انت احققت العدل، واذا لم تفعل فملكاً لا تكون أبداً".
في كترمايا، غطت جريمة جماعية، ثأرية، غريزية، على جريمة فردية متمادية في قباحة القتل والجنون. هذا النوع من الجنون الهمجي شاع في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر وبعض من القرن العشرين، عندما قرر البيض، وخصوصاً في الجنوب، ان يكونوا هم القاضي والمحلفين والجلاد معاً. عرفت تلك الظاهرة البالغة القباحة باسم القاضي تشارلز لينش، السادي، الذي حكم بشبق الغوغاء بدل الحكم بمقتضى القانون الذي بين يديه.
وأصبح مصطلح "لينشينغ" في اللغة الانكليزية حيثما استخدمت، من الهند الى ايرلندا، يعني جريمة القتل الجماعي للفرد دون استناد الى اي دليل، ودون المرور في المحاكمة، ودون الاستناد الى اي باب قانوني. ليس هناك تعبير عربي واضح لما حدث في كترمايا. هناك فقط المصطلح الاميركي المتعارف عليه تحت مصدر مأخوذ من اسم علم: لينشينغ. او اسم مظلم.
في كثير من خبث الغريزة وضعفها، حاول القتلة في كترمايا تغطية الجريمة الكبرى بجريمة أكبر، عندما راحوا يهتفون وهم يمثّلون في المتهم المسوق الى التحقيق، بأقوال من الحديث النبوي، كمثل "بَشّرِ القاتل بالقتل، ولو بعد حين". وواضح ان الاستناد الى الحديث في مثل هذه الحال تجديف عليه وترجيف على القرآن، فالآية تقول "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب". فالشرع يضع القصاص في قرار القاضي لا في سكاكين المنتقمين. والقصاص حكم لا يصدر الا بعد الاستماع الى المتهم، ومراجعة الادلة، والتدقيق في المثابت النهائية، فإذا أفضت المحاكمة الى ادانة، أحيل المدان على جلاد لا على منتقمين. ومن أجل ضبط الغريزة من التوحش والفلتان والهوس الجماعي، وضع الرسول بنفسه القاعدة المعروفة بدرء الحدود بالشبهات. فلما جاءته امرأة تقر بأنها زنت، طلب منها، ثلاث مرات، اعادة النظر في ما تعترف به.
لا. الاقتصاص الجماعي من المشتبه فيه الفرد، ليس من الاسلام ولا من الشرع. فهما قائمان على السعة لا على الضيق، وعلى التعقّل لا على الهوس. ومن القواعد القائمة في الشرع انه اذا شاهد قاض بنفسه رجلاً يرتكب جريمة، فإنه يفقد فوراً الحق في النظر او في الحكم في تلك القضية، ويتحوّل تلقائياً مجرد شاهد يدلي بإفادته. لا "لينشينغ" في الاسلام، ولا في اي قانون آخر، بما في ذلك غرائز الغاب.
ولنكفّ عن المقارنة بالغاب، كما كان يفعل اسلافنا بسذاجة واضحة. فالغاب لا يعرف الثأر، ولا يعرف كذلك الجريمة المجانية الخسيسة، التي دمّرت عائلة وبلدة وسمعة بلد غير قادر الا على التلطي من خياله. اكثر ما يقلق، في هذه المشاهد التي لم نعرفها في تاريخ لبنان، في ازمان السلم القصيرة والنادرة، انها نتاج مناخ قبلي يزداد اتساعاً، وليست حادثة منعزلة، مرتبطة ببلدة ما، في منطقة ما. فقد زيّن الجو السياسي الفاسق والفاسد، للعوام والدهماء، سهولة اصدار الاحكام دون محاكمة. وصارت القاعدة الفاجرة تقضي بالوقوف مع القاتل لا مع القتيل. ووقف فريق من السياسيين بين المرتكب والقضاء. وأصدر البعض احكاماً علنية بالاعدام على الضحايا والمقتولين. من غير تردد أو تمهّل أو رحمة.
فقد أصدر بعض العسكريين السابقين احكاماً بالاعدام على ضباط شبان سقطوا في ساحات العمل والانضباط. ويُسمح للبنانيين ان يعرفوا بالجريمة، ويمنع عليهم معرفة المجرم او معرفة نوع العقاب. لذلك ساد جو عام من الخوف من طرح الاسئلة، كما ساد شعور عام، بأن الثأر الشخصي هو الحل، ما دام القضاء خائفاً والسلطة مرتعدة.
هذه السلطة الخائفة يواجهها المرتكبون دائماً بطلب الحماية من قواهم "الذاتية": الطائفة، أو الحزب، أو حتى "المنطقة"، كما كان أمر الهرمل في مرحلة ما. فإذا تحركت السلطة بموجب القانون العام، وجهت اليها على الفور تهمة اثارة الفتنة. والحملة التي يتعرض لها الأمن الداخلي الآن تظهره "مرتكباً" في عالم من الابرياء. بل ثمة من اراد له الخروج النهائي من العمل، عندما أعلن بكلمات عالية الصوت، ان الأمن الداخلي هو مسؤولية الجيش، وبذلك ألغى الدور القانوني للأول، والدور الوطني للثاني.
قبل ان يقف من يعلن ان ملاحقة القتلة في كترمايا سوف تؤدي الى الفتنة وعودة الحرب الاهلية، اناشد الدولة، وخصوصاً وزير العدل الذي احترم واقدّر، فكراً وعملاً، ألاّ تكلِّف نفساً الا وسعها. لا تلاحقوا احداً ولا تعتمدوا الصوت والصورة. فعندما نظر نيتشه في احوال الناس قال: "ليست هناك حقائق. هناك فقط تفسيرات". أو تأويلات. نحن في بلد يُحكم فيه على القتيل دائماً بالاعدام المكرر والمؤبد. ليس اذا كان قاتلاً جزاراً من نوع محمد المسلم، بل اذا كان بريئاً او عابر سبيل. اخذ هذا جريمته معه. ارتكب عملاً فظيعاً فغطت الغريزة الغبية عمله بفظاعة ماحقة. ومات ضحاياه الاقرب الى الملائكة، مرتين. الاولى بسكين مجنون فردي والثانية بحال هياج جماعية.
ساعد محمد المسلم قتلته بأنه كان مصرياً، لا قبيلة رادعة من حوله. فحتى في الثأر الغريزي يبقى مكان للخوف من ثأر أقوى. هنا، كان المتهم يشبه زنوج القرن التاسع عشر في الجنوب الاميركي. وفي لاوعيها، أدركت الغوغاء حقيقتين: الاولى ان الجاني لا سند مباشراً له، والثانية ان الدولة ترفع دائماً شعار الصمت زين والسكوت سلامة. فما هي الجريمة التي كشفت، كنموذج، بحيث يخاف من يجب ان يخاف؟ لقد وقعت كارثتان جويتان، في كوتونو وفوق مياه الناعمة، ولم تر الدولة حتى الآن ان من واجبها ابلاغ اهالي الضحايا ما سمعته في الصندوقين الاسودين. واغتيل ضباط كبار ولم يصدر في مقتلهم قرار ظني. وباستثناء اصرار الجنرال عون "على انتظار نتائج التحقيق" في مقتل جبران تويني، كل ما يعرفه لبنان ان شهداءه نثروا في الهواء وهم خارجون من بيوتهم او عائدون اليها، لا شهود ولا احكام ولا قتلة. والادعاء الازلي لا يزال على مجهول. لذلك قرر البعض في كترمايا العودة الى العصر الحجري من دون اي اعتبار "لصورة لبنان في الخارج". فما هي صورة لبنان في الداخل؟ ما هذا البلد الارجوحة التي يتنقل عليها الناس بفرح عظيم، دون اي شعور بالذنب او الندم او الغلو في التأرجح؟
جريمة تزيح أخرى أو تمحوها. اذهلت خورخي لويس بورخيس طاقة "ألف ليلة وليلة" على طي حادثة في لفائف حادثة اخرى، تخترعها شهرزاد كل ليلة من اجل رد سيف السلطان، والليلة 602 هي الاكثر سحراً لان قصة تطوي حكاية تطوي رواية تروي سرداً. والغريب ان ذلك ليس وارداً في ألف ليلة وانما في مخيلة بورخيس الذي حاول ان يعطي اسلوب الطي والامحاء الدرامية القصوى. لو عاش لرأى المهارة اللبنانية في هذا النوع الدرامي: جريمة تطوي اخرى والصمت يطوي الجميع ويروّض النسيان. "لا مطلوبين في كترمايا" قال رئيس بلديتها. هذا بلد مسموح فيه بالجريمة، والمحاكمة ممنوعة، والرحمة عند الرحيم الوحيد.