لا يكفي "التطبيل والتزمير" للمجتمع المدني - يوسف معوّض (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
رُبطَ النزاع في الشرق الأوسط بين الدستوريين والعسكريين، بين التمثيل الانتخابي والحل الانقلابي منذ جلاء الجيوش الأجنبية عن الأمصار العربية – الاسلامية، وربما منذ إعلان الدستور العثماني أو حتى منذ أوائل التنظيمات!
فالحداثة الغربية التي طعّمت الأذهان بالفكر التنويري الليبرالي ومن ثم بالفكر الاشتراكي، كان لها الدور في "نفض" المؤسسات، وإنشاء كليات عسكرية على النمط الأوروبي. فتأهلت للحكم طبقة من الضباط ترفض الواقع المزري وتستعجل الاستيلاء على السلطة متوسلة شعار الاصلاح كما على ضفاف البوسفور كذلك في صعيد مصر. فكانت تركيا الفتاة (الاتحاد والترقي) وتلتها على مدى الزمن وفي كل الأقطار مجموعات عديدة منها الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر إلخ. فصار امساك الجيش بالسلطة من ميزات انماط الحكم في ربوعنا.
"بيتنا الخطر"
ولقد تفشى هذا الوباء حتى أصاب إسرائيل البلد المزعوم أكثر ديموقراطية في الشرق الأدنى. وها هم القادة العسكريون الصهاينة يتسللون إلى مجلس وزراء الدولة العبرية وإلى رئاسته (رابين، نتنياهو، باراك، شارون إلخ...). فيقبضون على السلطة التنفيذية ويفرضون سياساتهم ومغامراتهم العسكرية. مما تسبب بعقدة نقص للمحامي ايهود أولمرت عندما ترأس الحكومة. ولربما شن حرباً عبثية على لبنان في تموز 2006، اعتقاداً منه انه سيتوج بغار النصر أسوة بالضباط زملائه المتغلغلين في الحكومة والبرلمان.
واقعنا إذاً مجتمعات مضطربة والسيادة بالتالي لمن له القدرة على إخماد الفتن وإعلان حالة الطوارئ وتطبيق الأحكام العرفية إن قضت الحاجة. فلا يغيب عن الأذهان كلام سعيد عقل واصفاً راهِننَا بقوله: "نحن خلقنا بيتنا الخطر". حدود غير آمنة وداخل ينذر بالشقاق فيغلي ويتخبط دون هوادة! يغفو ولكن ويل على من يستيقظ! هذا هو المشهد! الشرق العربي والاسلامي ما انفك في حالة استنفار، والأوضاع الاستثنائية تتعاقب ولو تنكرت تحت تسميات حركة تصحيحية أو انتفاضة شعبية أو انفتاح اقتصادي! فالسيادة لمن يدجّن فرقاء اللعبة والبلاد لمن يسبيها!
في وادي النيل كما في بر الأناضول وفي حضرموت كما في لبنان الأخضر
هل نتصور محمد البرادعي، المدني المنشأ والديموقراطي السيرة، يتبوأ عرش وادي النيل؟ أيمكنه اقصاء أرفع الضباط لينفرد بالحكم وفق ما رسم له الدستور من صلاحيات ؟ أم بالأحرى سيضطر إلى التفاهم مع النخب العسكرية ليؤمن مصالحهم والمكتسبات من جاه وثروة، فيفقد عندها ميزته الديموقراطية المنزّهة؟ ألم يُوقَف منصب عزيز مصر لأهل السيف منذ عهد المماليك؟!
على خط موازٍ، ليتنا نتساءل عما يدور في تركيا، وكيف انتزعت من الجيش إمكان التدخل في الشؤون السياسية؟ انتزعت إرباً إرباً الى درجة ان بعض الاكاديميين (Ersel A ydinli) راح يُنظّر ويسترسل حول تعديل جذري لقواعد الحكم المعهودة في جمهورية أتاتورك( A Paradigmatic Shift for the Turkish Generals)، أي في "الدولة العميقة" المتمثلة بالمؤسسة العسكرية الأمنية (ميشال نوفل). أصحيح هذا التكهّن؟
بالطبع قد يقوّم المحللون الغربيون هذا التوق إلى الديموقراطية على انه تحول إيجابي كما في أرض الكنانة كذلك في بر الأناضول! فيرحبون بما يشهد لبلوغ الشعوب الممسوكة سن الرشد وعتبة من الرقي ومستوى من الوعي يخولها تدبير أمورها. أليست هذه من ارهاصات الحداثة؟ وبالتالي لا داعي لاستمرار الدولة القاهرة القائمة على التهديد بالعنف الممأسس أو المستنفرة للجؤ إليه. أجل، قد يهلل المراقبون المستبشرون خيراً لظاهرة البرادعي وأخواتها من الظواهر، كتلك التي تجسدها الديموقراطية الاسلامية في تركيا، ظناً منهم ان هذه المؤشرات أو تلك تشكل انتصاراً لمفهوم دولة القانون وللمبادئ السامية. ونعني بها القواعد المطلقة التي طالما زعمت المحافل الدولية انها إرث مشترك لشعوب العالم وأممه ... وبالتالي كيف يحرمون منها؟!
وما أدراكم ما "الدمقرطة"؟
أليست مشكلة سعد الدين ابرهيم داعي دعاة دولة القانون مع السلطات المصرية خير نموذج على تضارب مصالح الغرب المادية مع أفكار الاصلاح التي بثتها المؤسسات الغربية من خلال الديموقراطيين العرب المدعومين مالياً ومعنوياً من الخارج؟ فرص الامتحان إذاً في متناول اليد، ومن يركب غمار "الدمقرطة" يجازف ويحصد مما يزرع! فكيف تتحقق سيادة دون الاستناد إلى شرعية القمع والحسم، وكل تراجع للدور السياسي الموقوف أصلاً للقوات المسلحة ينذر بفتنة أهلية في هذه الديار؟ ذاك أن الأنظمة التسلطية المقترنة بالقوات المسلحة ستستمر في بقاعنا لئلا نقع في ما هو أدهى من تقلص رقعة المساحة الديمقراطية! أي لئلا نقع فريسة الحروب الأهلية والتناحر الداخلي! والدور الردعي للقوى المسلحة وللمخابرات على أنواعها يضفي شرعية الجند على الأنظمة التي تدعي التناوب على السلطة التنفيذية والتعاقب على التمثيل في البرلمانات المتوالية.
ليتنا نضع بعض الحد لطموحاتنا الاصلاحية! وكل ما في متناولنا هو أن نصير دولة كاليمن الموحد حالياً، دولة تتمكن من التقاط أنفاسها كلما نالت منها نائبة أو عصفت بها فتنة. فتنجو من "قطوع" الانتفاضة الحوثية وتفاوض الخصم بعد عراك دموي، لئلا تتفاقم الأمور ويتحول النزاع الداخلي صراعاً أقليمياً، صراعاً يؤدي إلى استدراج دول الجوار كالمملكة الوهابية إلى ساح معارك حدودية. لا مفر! لقد كتب على اليمن السعيد ان ينجو من أزمة إلى أزمة، أي أن يَسلم من "الحِمام إلى الحِمام". وكما في نواحي حضرموت كذلك في روابي وعقاب "لبنانستان" ، نعمل جاهدين لتأخير استحقاق الاقتتال الداخلي وبالتي هي أحسن.
المتنبي، دائماً وأبداً
الشرعية هي التي تؤمن التناوب على الحكم دون اضطراب أو تشكيك أو طعن أو اهتزاز. فلمن تعود هذه الشرعية في إرثنا السياسي؟ أتعود للنسب القرشي أم ترتكز حصرياً على احقية أهل البيت في الحكم (الهاشميين في سوريا والعراق بعد الحرب العالمية الأولى)؟ ألا تكون الشرعية لمن تمكن من السلطة إن لم نقل وضع اليد عليها؟ ولنا من التاريخ عبر: في أيام بني العباس وتحديداً بين 950 و1075 ميلادية، فقد الخلفاء، أصحاب النسب، السلطة التي انتقلت إلى الغلمان والمماليك أي إلى العبيد القادمين من بلاد الفتوحات فحصل تمييز بين الخلافة والسلطان، بين السلطة الاسمية والسلطة الفعلية. انتزع الأمر من العرب الاقحاح وصار بيد العجم والأتراك وغيرهم من المرتزقة أهل السيف. والأمر طبيعي فمن ينصر الدين ويذود عن الأرض والعباد، يكتب له الحكم وتقرير المصير. ألم تُتوج الجماهير عبد الناصر ملكاً على العرب أجمعين بعد أزمة السويس في 1956؟ ألم ترفع صور أبو عمار ويتدفق الشباب للإنضواء تحت راية "فتح" أول انطلاقتها، إثر تنفيذها بنجاح بعض العمليات العسكرية؟
وإلا كيف كان لكافور أن يسوس أرض مصر أعظم البلاد الإسلامية والعربية شأناً ووفرة؟ على أي شرعية استند ليحكم سعيداً في الفسطاط زهاء 22 سنة؟ من عبّد له الطريق ومن أعطاه مفاتيح الحكم؟ "أقَومُهُ البيضُ أم آباؤه الصيدُ" تساءل شاعر في حينه؟ وبالفعل، ما صمد أبو المسك على رأس السلطة إلا لأنه قمع كل محاولة استهدفت مقامه الأول أو شكلت تهديداً لحكمه؟ حافظ على منصبه في وجه انتفاضة مملوك مثله يدعى غلبون، وصمد في وجه انقلاب دبره ابن سيده الاخشيدي، وللتذكير كان كافور ولياً عليه ووصياً؟! أليس كافور الذي هزم سيف الدولة الحمداني على رأس جيوشه التي غزت فلسطين في جمادى الأول 335 (الموافق كانون الأول 946 م.)؟ كان دعاة الفاطميين يرددون ان ليس بينهم وبين حكم مصر سوى حاجز "الحجر الأسود" أي كافور! وكم كان كمال صليبي في محاضراته يردد، لمن يحب أن يسمع، ان كافوراً (نعم نعم، "أولىَ اللئامِ كويفير"..) أعظم بكثير من سيف الدولة على الرغم من قصائد قلبت الصورة رأساً على عقب. فشوّهت سمعة حاكم مصر الهجين انما العتيد.
في ذاك الزمان أي قبيل الحملات الصليبية كان الانتصار العسكري يضفي على صاحبه شرعية الحكم. أي ان صورة "الغازي" كانت مسيطرة على الأذهان. والغازي هو من يرفع راية الدين ويهزم المشركين ما عبد الطريق لحكم المماليك الذين دحروا الصليبيين في آخر المطاف. حتى ان أوائل سلاطين بني عثمان كانوا يتكنّون بلقب "غازي" الذي استعاده مصطفى كمال أتاتورك في مطلع القرن العشرين في مشروعه لبناء دولة حديثة. استغله لما يمثل في الذاكرة الشعبية من فتوحات مبينة وبالتالي من شرعية الانتصار.
وهل كان سيف الدولة الحمداني إلا غازياً مرابطاً على الثغور بين ملطية وزِبَطرة، يغزو خرشنة وينازل الدمستق في الحدث "الحمراء" ويهزم من حُشد بوجهه من روم وروس("فما يُفهِمُ الحُدَّاثَ إلا التراجمُ"). كفاه فخراً، في المخيلة الجماعية أنه الفارس الذي أضحى سيداً لشمال سوريا بحد السيف. هو الأمير الذي أحكم قبضته على السلطة. لم يترك مجالاً لبروز بديل له وكم من أخبار وصلتنا حول اقصائه ابن عمه أبي فراس وابعاده عن مركز القرار، ليحتكر سلطة الأمر والنهي. إلا انه رغم مقامه ورغم انتصاراته بقيت شرعيته "مهزوزة" أي قابلة للتشكيك. فما كاد ينتقل إلى مقارعة البيزنطيين إلا وإِنتُهزت فرصة الانقلاب عليه من قبل بعض غلمانه! ولو كان الارث السياسي ينتقل بشكل طبيعي لما لجأ سيف الدولة ومن قبله معاوية إلى مبايعة ابنه وهو على قيد الحياة.
لا محال فشرعية الحكم تستند في بقاعنا إلى مفهوم سلبي. والسؤال هو هو: من فرعنك، يا فرعون؟ الجواب: فرعنت نفسي ولم يردعني أحد! هي الصورة التي تشبعت منها مخيلتنا على مقاعد الدراسة، فما زلنا نرددها في كل مجلس أدبي وجلسة سمر ("والدهرُ راغمُ"). أصبحنا أسرى لها، عاجزين عن الانعتاق العقلاني والخيار الديمقراطي.
في قدسية الدساتير المدوّنة
فكان ما كان، وأضحت السيادة حكراً على من يملك القدرة على الحسم. فالقدير القادر هو الذي يؤمن المبايعة لنفسه في معزل عن الشرائع المدونة. والدستور هو ذاك النص اليتيم المهدد بالتعديل في كل حين. وقد حُلل اغتصابه كلما دعت الحاجة على يد الذين يبشرون بقدسيته ويحلفون باسمه ويؤتمنون على صيانته. ليتنا نكون منصفين ونعترف بأن معظم الدساتير إعتمدت في أحلك الظروف (هذا دستور الجمهورية الخامسة يبرم وفرنسا تحت ضغط حرب الجزائر وعلى شفير انقلاب عسكري ان لم نقل حرب أهلية، وهذه شرعة سويسرا الأساسية التي ما وضعت إلا بعد حرب ضروس بين الأقاليم البروتستانتية والكاثوليكية في سنة 1848، وهذا دستور الطائف والأراضي اللبنانية مشتعلة قصفاً ودماراً). فمعظم الدساتير قامت على حين غفلة أو في أعقاب انتصار أو هزيمة، أي انها لم تأتِ برضى المواطنين أو مراعاة خواطرهم، بل فرضت بالضغط وفي ظل الحراب أي جاءت بالاكراه. وكم عدلت هذه النصوص المقدسة لتلبي رغبة الحاكم من تجديد أو تمديد أو تأمين وريث! فأي شرعيّة وأي صدقية لها؟
قضى السلطان محمود الثاني على طوابير الانكشارية لأنها وقفت في وجه الاصلاحات، فأبادها عن بكرة أبيها عام 1826. هذا باسم الحداثة التي أرست في المقابل قواعد حكم جديدة لتأهيل الضباط في الكليات العسكرية. فاستحدثت طبقة فتية متشبعة بالنظام المرصوص والانضباط في "الحربية" Mekteb-i-Harbiye كما كانت تدعى في اسطنبول. والمدرسة الحربية هذه ليست بالطبع معهداً للترقي الديموقراطي لا ولا جمعية ناشطة في مجال حقوق الانسان كما نعلم. فنشأت فيها أجيال متتالية تجمعها أخوة السلاح، إلا انها لم تتنكر مهما قيل لصورة "الغازي". فكانت تطمح الى لعب دور المنقذ للوطن العثماني المسمى في حينه الرجل المريض. والسقم هو الحالة الطبيعية والمبدئية في سائر بلدان الشرق الأوسط منذ كانت نكسة تعقب نكبة. فنلجأ بالطبع إلى القائد الملهم لعله ينقذنا من براثن الذل والهزائم المتكررة.
الشرعية "الضابطة الكل"
نعيش في هذا المحيط في ظل أنظمة ممركزة ضمن حدود اصطناعية وأي نوع من الاستقلال الذاتي أو الفيديرالية أو حتى أي لون من اللامركزية يشكل انتقاصاً من جبروت الدولة وسطوتها وتالياً من وحدة البلاد. كل مساس بسلطة رأس الهرم يمثل انحرافاً وطعنة بالسيادة الجامحة ولمبدأ شرعية الجند "الضابطة الكل". هذا في حين دخلت بلدان المجموعة الأوروبية، جارتنا المتوسطية، طور ما يسمى subsidiarité أي النظام الاحتياطي أو الإضافي: عندها تحل الأمور على أدنى مستويات الهرم السياسي، ولا يبقى للمركز في العاصمة سوى الشؤون التي لا يمكن أن تدار وتصان إلا من فوق كالسياسات الخارجية والدفاعية والمالية العامة.
اما بالعودة إلى بطاحنا فإن أي تراجع لقبضة السلطة المركزية على منطقة أو قطاع أو إقليم يعد انفصالاً يستوجب استنفاراً عسكرياً إن لم نقل مجازر لعودة اللحمة الوطنية. هذا هو السودان بين العاصمة خرطوم وجنوب البلاد من جهة والدارفور من جهة أخرى. هوذا العراق ووضعه يشكل سابقة خطرة للأنظمة القائمة ولوحدة الأراضي المنشودة . فبلاد ما بين النهرين تعيش تجربة لا ندري ما ستؤول إليه عندما تضع الحرب الدائرة أوزارها. ونتائج صناديق الاقتراع لا حول لها ولا قوة في وقف العنف المستشري والتخبط الجاهلي!
الظاهرة وأخواتها
أيظن حسنو النية من المراقبين الغربيين ان بلادنا المعنية قد بلغت مقاماً ديموقراطياً رفيعاً بعد عقود من الاضطرابات الدموية والانتكاسات الرجعية؟ ليتهم يعترفون بأن التحول الديموقراطي الذي يلوح في الافق، يؤسس لتراجع الشرعية أي العامل الرابط والجامع للبلاد أرضاً وشعباً ومؤسسات. لقد إطمأن من يضع الشرق الأوسط تحت المجهر لمراعاة بعض الشكليات والأصول ولرفع بعض الشعارات، في حين غاب عن ذهنه أن الانتخابات الحرّة لا تؤمن أكثر من إرادة شعبية في لحظة عابرة وفي يوم لا يستعاد. وما علاقة السيادة الشعبية souveraineté populaire بالشرعية légitimité، هذا إن سلّمنا جدلاً أن للأكثرية العددية الكلمة الفصل طالما أن العملية حسابية؟
هذا "التطبيع" المنشود من خلال انتخابات ديموقراطية دورية تعمل على عزل طبقة الضباط وتحول دون إملائهم بعض السياسات على المدنيين، هذا التطبيع سيضرم لا محال نار الفتنة إذ يؤسس لقيامة سيادة الشعب المنقوصة failed sovereignty دون شرعية الحسم decisionism ! فما هي مقومات الدولة في الديار الشرقية إن أُبعدت القدرات العسكرية – الأمنية عن السياسة، والقوات المسلحة ما نظمت إلا لتكون عاملاً ضاغطاً في المساحة الداخلية وجامعاً على المستوى الوطني. كل كيان رسمت حدوده قبيل الحرب العالمية الأولى وبُعَيدها مهدد جغرافياً لا بل "ديموقراطياً" بالجنوح نحو التجزئة والتناحر. فيتعين على قوى الحسم أن تكون عينها على الفتن الأهلية أكثر بكثير مما هي على الحدود والأخطار المحدقة من الخارج. والجيش المرابض على التخوم المرسومة دولياً أو الملتزم الصمت في ثكناته، ليس إلا امتداداً لقوى الأمن الداخلي أو العكس إذا صحّ التعبير.
القهر الجامع، هنا والآن
هذه آسيا الصغرى وجارتها بلاد الشام! فوهمٌ الاعتقاد ان لصناديق الاقتراع قدرة على تعديل الوضع إلى الأحسن! إذ كيف للدستوريين (ورثة أهل القلم في العصور الغابرة) ان يدجنوا أهل السيف، وديوان الحماسة في كل "وقفة عز" كفيل بإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء!؟ قد يصل الطرفان في أحسن الأحوال إلى تسوية تحمي المصالح المتبادلة إن لم نقل مشتركة. وأي حَولٍ للسيادة الشعبية المنبثقة من انتخابات نيابية أو إختيارية لا تؤسس إلا للفتن لما يكتنفها من تلاعب وتزوير وتشكيك، في حين ان حماة الثغور يشكلون استمرارية مؤسسة مؤتمنة على الكيانات وعلى حد أدنى من اللحمة الوطنية؟
علّنا نميز بين مجتمعات مستقرة حذرة من نموذج المنقذ ونزعاته الاوطوقراطية و حاشيته من جهة ومن جهة أخرى بين مجتمعات مغايرة قابلة للاهتزاز ومرشحة للتناحر الداخلي، تتوق إلى من يضبطها ويهديها في الظلام الدامس. فمن له ان يدجن اللعبة السياسية وهي كرة نار في يد إبليس إن لم يكن عنده "الصواعق" حسب تعبير ابي الطيب؟
المفارقة تكمن في أن المؤسسة العسكرية-الأمنية كما نعرفها اليوم هي في آن واحد إبنة الحداثة ووريثة تاريخ الغزو والفتوحات. بالمنظور الغربي قد يشكل تدخلها في الشؤون السياسية تهديداً لدولة القانون، إلا انها في ديارنا هي دون سواها المولجة حماية دولة القانون هذه وإن بالحد الأدنى. والقهر الجامع يحول دون التفتت والشقاق، والسخط الحاكم له مفعول ردعي!
وكيف نتلقف الحداثة في بطاحنا، والتضارب واضح للعين المجردة بين مشروع الحكم الصالح good governance وبين مشروع بناء الأمة nation building. فالحكم الصالح يبنى أقله على فصل السلطات ومبدأ التوازنات checks and balances بينما يقوم بناء الأمة على تعزيز الدولة وعلى الانصهار المجتمعي وعلى استدماج الأفراد والجماعات بالقوة إن استدعى الأمر. فضبط الصف الداخلي هدف بحد نفسه وله أولوية على سائر مفاهيم الديموقراطية المتربصة بالبلاد فتناً وانفصاماً. صحيح ان الديموقراطية لا تفرض بالقوة انما الأمن المفروض عنوة قد يؤمن ديموقراطية الحد الأدنى أي أعظم طموحاتنا، على رغم التطبيل والتزمير لمجتمع مدني لا ينمو إلا تحت المكيال.
(محامٍ وأستاذ جامعي)