اخبار تركيا - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
حتى الأمس القريب كانت أخبار تركيا غريبة على الجمهور اللبناني والعربي، يقتصر الاهتمام بها على أهل الاختصاص وهواة النوع، وهم قلة. اليوم صارت المواجهة الإسلامية العلمانية او المسألة الكردية او حتى مشكلة ناغورنو قره باخ الأذرية الأرمنية، عناوين تثير انتباه اللبنانيين والعرب وقلقهم على الأمن في بيروت والاستقرار في غزة وتوازن القوى في بغداد.. وأيضاً على العلاقات التركية مع كل من دمشق وطهران، التي كانت ذروة التحول في الموقف السياسي التركي، والعلامة الفارقة الوحيدة في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي.
أخبار تركيا هذه الأيام تستدعي ما هو أكثر من القلق اللبناني والعربي. هي توحي بأن هجوماً مضاداً قد بدأ بالفعل على جميع الجبهات، وهو يستهدف حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب اردوغان التي بدا في الآونة الأخيرة أنها حلقت بعيداً عن تقاليد السياسة التركية وعن أعراف الجمهورية العلمانية التي وضعت الأتراك طوال قرن مضى على اعتاب الغرب الأوروبي والأميركي، ولم تؤهلهم لشراكة حقيقية لا مع حلف شمالي الأطلسي ولا طبعاً مع الاتحاد الاوروبي... لكنها دفعتهم في الآونة الأخيرة الى العودة للبحث عن جذورهم الشرقية وشركائهم العرب والمسلمين الذين يتقاسمون معهم الكثير من القيم والسلع التركية!
في خلال أسبوع واحد، أفرجت المحكمة العليا في أنقرة عن المعتقلين في قضية المطرقة أو ما يعرف بشبكة ارغينيكون التي كانت تحاول الإطاحة بالحكومة الإسلامية التركية، واستأنفت ارمينيا إطلاق النار مع أذربيجان في إقليم ناغورنو قره باخ، ونفذ المقاتلون الأكراد المتمركزون في شمال العراق اجتياحاً واسعاً للمواقع العسكرية الحدودية التركية... وذلك بعد ان خدع الأميركيون أردوغان وشجعوه على توقيع اتفاق طهران الثلاثي مع الرئيسين الإيراني محمود أحمدي نجاد والبرازيلي ايناسيو لولا دا سيلفا حول تبادل اليورانيوم الإيراني ثم رفضوا الاتفاق وفرضوا عقوبات جديدة على إيران... وبعد أن طعن الإسرائيليون تركيا في هجومهم الدموي على أسطول الحرية التركي في مياه المتوسط الشهر الماضي.
وصورة أردوغان، التي نشرت امس في احد المواقع العسكرية التركية قرب الحدود مع العراق بعيد الهجوم الذي شنه 300 مقاتل كردي عمد الأميركيون الى تغطيتهم من خلال إبلاغ أنقرة أنهم مجرد مهربين، لم تعبر عن حيوية الرجل الذي لا يهدأ والذي يأبى الابتعاد عن جنوده الذين فقدوا 12 من زملائهم، ويصر على الجلوس معهم في تحصيناتهم الأمامية، بقدر ما عكست حالة المسؤول الذي انفجرت في وجهه جميع الجبهات دفعة واحدة.. ولم يبق له سوى الاعتماد على شعبية راسخة، وعلى اقتصاد مزدهر يسجل واحداً من أعلى معدلات النمو في أوروبا (6 في المئة)، وعلى جمهور عربي وإسلامي يائس لا يمكن الاعتماد عليه، وعلى تحالفات عربية وإسلامية لا يمكن الوثوق بها لأنها يمكن ان تنقلب على تركيا في أي لحظة.
من البديهيات القول إن أردوغان وحزبه يدفع الآن ثمن مواقفه العربية والإسلامية الجريئة. لكن السؤال هو ما إذا كان خصومه يعملون على إسقاطه من السلطة أم على إعادة احتوائه. وفي الحالتين، ثمة ما يستدعي الحذر في بيروت وغزة وبغداد...