تغيير سلوك - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
اتخذ الغرب، كما يبدو، قراراً بزعزعة استقرار النظام الإيراني وربما إسقاطه من الداخل. هذا ما يمكن التقاطه من مجموعة معطيات وتحليلات صدرت في الأسابيع القليلة الماضية في أعقاب توصل الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى الاستنتاج بأن طهران تمكنت بالفعل من تخصيب كميات ضئيلة، لا تتعدى بضعة كيلوغرامات، من اليورانيوم الى درجة عشرين في المئة، التي تؤكد قدرتها على المضي قدما في هذا الطريق المؤدي إلى إنتاج قنبلة نووية، عندما يصدر القرار السياسي من القيادة الإيرانية.
حتى اللحظة، ليس هناك دليل على هذا الإنجاز الإيراني العلمي والتقني الذي يصعب أساساً التحقق منه. لكن مجرد الإعلان عنه من قبل الوكالة وتأكيده من جانب طهران واستخدامه في بيانات وتصريحات العديد من المسؤولين الغربيين، يوحي بأن الجدل حول البرنامج النووي الإيراني انتقل الى مكان جديد، أشد حساسية وخطورة من أي وقت مضى، بما يلغي الحاجة أو ربما الجدوى من التفاوض، سواء كان على تبادل اليورانيوم الذي كان الجانبان يقتربان منه، في أعقاب توقيع اتفاق طهران الثلاثي الإيراني التركي البرازيلي، او على اي بند آخر من بنود الأزمة التي عادت الى نقطة الصفر في الأيام القليلة الماضية.
ولعل طهران نفسها هي التي ساهمت في تلك العودة عندما أكدت صراحة أنها تدنو شيئاً فشيئاً من امتلاك القدرة على صنع قنبلة ذرية، لا تزال وفق الشرع والعرف الإيرانييْن محرمة، وهو ما رفع مستويات التأهب في مختلف العواصم الكبرى التي تختلف على كل شيء في ما يتعلق بالملف الإيراني، لكنها تتفق ضمناً على عدم التساهل مع احتمال انضمام إيران إلى نادي الدول النووية، وأطلق جرس إنذار قوي من سلوك النظام في طهران وإصراره على التحدي والمواجهة... وفتح دفعة واحدة ملفات المعارضات الإيرانية المختلفة في الداخل والخارج، وإمكان الاستفادة منها لتغيير سلوك النظام الذي لم يدرك، حسب هذه العواصم، خطورة المغامرة التي يخوضها، والتي لا تحتمل التسامح على غرار البرنامج النووي الكوري الشمالي الذي لا يشكل خطراً فعلياً، بل لعله يمثل عنصر ابتزاز سياسي متبادل بين الدول الخمس الكبرى واليابان التي تتعامل معه.
الحالة الإيرانية مختلفة، وفق هذا التحليل، لأن طموح طهران مبالغ به، وهو مبني على فرضية أن أميركا والغرب عموماً يستعد لرفع راية الاستسلام في أفغانستان والعراق والخليج، وينوي اللجوء إلى إيران من أجل طلب مساعدتها على الخروج المشرف والآمن من هذه المنطقة الفائقة الأهمية بالنسبة الى المصالح الحيوية الأميركية والغربية كلها... ومن أجل تحويل إيران الى دولة إقليمية عظمى في قلب العالم الإسلامي تدير شؤونه بالنيابة او الوراثة عن الأميركيين والغربيين الذين سبق أن استفادوا من التعاون الإيراني في حملاتهم العسكرية الأخيرة!
ثمة ما يوحي بأن المواجهة الإيرانية مع الغرب، التي انضم إليها الروس والصينيون، تمر بانعطافة حاسمة، لن تؤدي إلى الحرب التقليدية التي كانت ولا تزال مستبعدة لأنها مكلفة وغير مجدية، لكنها تفترض إحداث تغيير جذري في سلوك طهران... او في سلوك العواصم المناهضة لها!