دوائر كنسية تنشد مشروعاً مسيحياً متجدداً... يكسر دوامة المخاوف - دنيز عطا الله حداد (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
«سيداتي، سادتي، لا سياسة في جمهوريتي». قالها كمال جنبلاط في 18 تشرين الثاني سنة 1946 في «الندوة اللبنانية». يومها كانت محاولات «تعمير البيت اللبناني» بحسب مؤسس «الندوة» ميشال اسمر في أوجها. وكانت بيروت تؤمن بان الأفكار تقود العالم وتغيّره، وأنها هي، هذه العاصمة العاصية، يمكن أن تسهم في ذلك.
كان «عهد الندوة» عهد لبنان بكل وجوهه السياسية والاقتصادية والثقافية والفلسفية والفنية. لم يكن البلد، ربما، اقل طائفية. إنما الأكيد، كان أكثر خجلا في الإفصاح عنها، فما البال بالتباهي بها؟
في تلك الفترة كان المسيحيون روادا في أكثر من مجال ، لاسيما في مجال «تعمير البيت اللبناني» بركائزه المتنوعة. فاين هم اليوم؟ ما هي مشاغلهم واهتماماتهم؟ ولماذا يظهرون مظهر المنغلق والخائف وحتى العنصري والمتخلف عن العصر عند طرح مواضيع بديهية في أحقيتها؟ من إصلاح قانون الانتخاب وجعل سن الاقتراع 18سنة إلى موضوع تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية وصولا إلى إعطاء المرأة اللبنانية جنسيتها الى أولادها وأخيرا وليس آخرا إعطاء الفلسطينيين حقوقهم المدنية.
تعكف بعض الدوائر الكنسية و«مجموعات تفكير» تضم رجال دين وعلمانيين إلى التبصر في واقع الأمور و«محاولة الخروج من شرنقة اللحظة إلى رؤية مستقبلية تحفظ البلد وأهله وتحفظه لأهله جميعا مسلمين ومسيحيين».
يكرر مسؤولون كنسيون مقولة كمال جنبلاط «لا سياسة في جمهوريتي... ـ ويضيفون ـ إلا سياسة النكايات والمكاسب الصغيرة والحسابات الآنية الضيقة. وهذه كلها لا تحفظ وطنا ولا تؤسس لغد ولا تحمي وجودا يعتبره أهله مهددا».
يقول مسؤول مسيحي نشيط في حلقات التفكير تلك «ان الانطباع الذي تركه سلوك النواب المسيحيين في الفترة الأخيرة في مواجهة مجموعة من اقتراحات القوانين التي طرحت لا يمكن بأي حال اعتباره انطباعا ايجابيا او يعكس الصورة التي نطمح جميعا الى تكريسها. فمسيحيو لبنان هم آباء حقوق الإنسان وابناء الحرية ودعاة العدالة والمساواة ومواقفهم الاخيرة لا تمت الى اي مما ذكرنا».
يضيف «لا يمكن اعتبار الافرقاء الاخرين منزهين او بريئين لا في طروحاتهم ولا في توقيتها ولا في اسلوب رميها ككرة نار يتركون لغيرهم ان يلتقطها او يسقطها. كل ذلك مكشوف، بما فيها الرغبة الضمنية بتكريس الغلبة الديموغرافية. لكن رفع التحدي لا يكون بالاسراع نحو الهاوية بل بالتوقف والتقاط الأنفاس، واعادة النظر في وجهة السير وخيار الطرق الواجب اعتمادها».
تبحث الدوائر الكنسية عن مقاربة جديدة للمواضيع الحساسة المطروحة «توازن بين الحقوق الاخلاقية والانسانية على كل المستويات وبين الحفاظ على تنوع البلد وغناه والحضور المسيحي الفاعل فيه».
يشارك في «التفكير» متخصصون علمانيون في اكثر من مجال. «المهم الوصول الى مقاربات جديدة في التعاطي مع الواقع المستجد. على المسيحيين ان يدركوا ان متغيرات كثيرة اصابت لبنان الذي عرفوه «تاريخيا». وان هذه المتغيرات اصابتهم ايضا في الصميم. والحراك متواصل وهو سنة الحياة. وما يؤسف له ان يتم جر المسيحيين الى ردات فعل لا تليق بتاريخهم وما راكموه من وعي وثقافة وخبرة خولتهم مواكبة الحداثة والانخراط فيها. فبوابات الحداثة معروفة: التمسك بالقيم الديموقراطية وبحقوق الانسان على تنوعها واحترام الاختلاف. ويضاف اليها في لبنان العيش المشترك عن قناعة ومحبة كمدخل الى الاغتناء من الآخر واغنائه».
يبدي مسؤولون كنسيون قلقهم من «غياب قيادات مسيحية، ولو لم تكن جماهيرية، تحمل مشروعا مسيحيا متجددا على عاتقها. فلا يجوز ان يبقى المسيحيون مهجوسين بالعدد وتناقصه، ومأخوذين بالثروات المتنامية لدى الطوائف الاخرى، ولا يجوز أن يبقوا خائفين على وجودهم وحريتهم، وطالبين للحماية من اطراف داخليين او خارجيين. على المسيحيين ان يبادروا ويعرفوا ان ما هم فيه اليوم كان حلما اقرب الى الخيال بالنسبة الى اجدادهم. فالاهم ان لبنان الكيان حقيقة قائمة وراسخة. اما الدولة فركائزها موجودة وليشمروا عن زنودهم وليضخوا فيها افضل ما لديهم ليستكملوا بناءها. فلا يجوز عند اي توظيف في الدولة، من القوى الامنية الى اي وظيفة ادارية اخرى، ان تستنفر معظم مؤسسات الطائفة، فلا تتمكن من تأمين عدد مقبول. اما السياسة فيمكن من دون شك ان تكون ارقى واوسع افقا واكثر ترفعا وبعيدة عن المناكفات الصغيرة. لكن هذا واقع الحال وجميعنا مسؤولون عنه. وما يقصر عنه السياسيون من تذكير بثوابت لبنان تتولى الكنيسة القيام به مؤكدة على دورها في الحفاظ على المبادئ».