عن المحكمة... والفتنة - عبد الوهاب بدرخان (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
اذا فُتح أي موضوع، حاليا في لبنان، تعلو الاصوات محذرة من "الفتنة"، وغالبا ما يكون المحذرون من جماعة "إما... أو..." أي إما القبول بمنطق الأمر الواقع أو الذهاب الى فتنة. يسري ذلك على الموقف من القوات الدولية (اليونيفيل)، مرورا بكل ما يخطر في البال، وصولا في الذهاب والاياب الى المحكمة الدولية.
لكن الفتنة، تعريفا، تحتاج الى طرفين متأهبين وراغبين، ولديهما مصلحة في اشعالها. واقعيا، لا يوجد سوى طرف واحد قادر على توظيف الفتنة لتعزيز وجوده، أما الطرف الآخر فيبحث جاهدا عن سلم واستقرار ويراهن في سبيل ذلك على الدولة آملا في ان تتمكن من احتواء الجميع لتقوى بهم ويقووا بها.
ما يعيشه لبنان الآن ليس حال فتنة. إنها حال استقواء وتسلط من جانب فريق على فريق آخر لا يزال يشار اليه على انه "المهزوم". وإذ تقف الدولة على الحياد، أو هكذا تظن، فانها في مختلف الاختبارات السابقة والراهنة واللاحقة تجد نفسها امام خيار واحد هو استرضاء المستقوي عليها وتجاهل الفريق المراهن عليها. وما يحتم على الدولة أن تمضي في هذا الخيار المسموم، ان العلاقة المستعادة مع سوريا تدعم الفريق المتسلط على حساب الآخرين بمن فيهم الدولة، وتكافئ الاطراف الداخلية المستفيدة من الاستقواء والتسلط تمهيدا لتوظيفها في أدوار فتنوية شتى.
صدقوا أو لا تصدقوا، لكنهم يجلسون الى طاولة "الحوار الوطني" والى طاولة مجلس الوزراء "التوافقي" ويتحدثون عن الفتنة، إلا أنهم لا يملكون القدرة على منعها أو وأدها، لأنهم ببساطة "غير متوافقين"، وليس في ذلك أي سرّ. خذوا مثلاً: ألم يقولوا سابقا إنهم توافقوا على ترسيم الحدود مع سوريا، وعلى السلاح الفلسطيني، ألم يتباهوا بأن هذا التوافق من "الثوابت" وبأنه من اللحظات النادرة في الاجواء الملبدة بالخلافات؟ ثم ماذا رأينا وسمعنا وفهمنا؟ العكس تماما. خذوا مثلاً آخر: ألم يعلنوا توافقهم على المحكمة الدولية، ألم يرددوا ذلك بصيغ مختلفة، وماذا نشهد الآن، أهو تأكيد لما أعلن أم اصطفاف لاطلاق النار على المحكمة؟
كلنا يعلم أن هذه المحكمة لم تكن ولن تكون مفخرة للبنان، لا لدولته ولا لأمنه ولا لنظامه ولا حتى لشعبه، هذا اذا كنا نحترم أنفسنا وما يفترض انه لا يزال وطننا. لكن الاهتراء والتعفن والهوان والانسحاق الذي ألحق بمؤسساتنا، بفعل الخضوع المنهجي لنظام الوصاية السابق، لم تكن مفخرة ايضا مهما علا صوت الهتافين والمطبّلين، القدامى منهم والمستجدين. فمثل هذا الوضع، حيث الدولة مريضة ومستلبة، والامن مخترق وملتبس، والقضاء متخبط بين ترهيب واستضعاف، هو ما وضع اللبنانيين لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه أمام احتمالين كلاهما خارجي: أولهما اعتباره اغتيالا آخر يُطوى محليا ولا داعي فيه للبحث عن قتلة أو مسؤولين عن الجريمة، والثاني كان المحكمة الدولية. وعلى رغم ان الوقت فات على السؤال: أيهما أفضل؟ لكن لا بأس بطرحه. فالكل قال، غداة الجريمة، إنه يريد الحقيقة، ولكن كيف، وبأي وسيلة؟ هناك لبنانيون حسموا موقفهم، بحكم خبرة ثلاثين عاما من العيش في الاضطراب والشكوك، واعتبروا انهم يعرفون القاتل. وهناك لبنانيون يشعرون في قرارة أنفسهم انهم يعرفون لكنهم انتظروا روايات اخرى تناسب مصالحهم. كلا الموقفين لا قيمة له أمام أي محكمة حتى لو كانت محلية.
مرّ التحقيق الدولي بأخطاء واختراقات وتدخلات، ولعله في مرحلته الاخيرة استطاع أن يعالج كل المآخذ التي سيصادفها عندما تبدأ المحكمة النظر في القضية. فالتعامل المحترف مع الادلة المتوفرة هو المنهج الافضل لتفادي التسييس، مع أن القضية سياسية أولا وأخيرا، وحتى لو تركز الاتهام على طرف "هامشي" فسيكون بالضرورة طرفا سياسيا مرتكبا جريمة سياسية مئة في المئة. واذا كان البعض يعتبر ان تقرير "در شبيغل" دليل آخر على التسييس، خصوصا بالاتهامات التي تضمنها لـ"حزب الله"، فمن المؤكد ان الحزب أجرى تحقيقه الخاص في المصادر الملتبسة التي استرشدت المجلة الالمانية، ولا بد انه توصل الى اشتباهات بجهات يفترض أنها "صديقة".
للأسف، يستدل من الحملة على المحكمة والقرار الظني حتى قبل صدوره أنها تسعى الى ربط أي اتهام محتمل بواقع "أن قضاة المحكمة هم قضاة دول تربطها علاقة وثيقة بأميركا"، وطالما ان اميركا معادية لـ"حزب الله" او لسوريا فهذا يعني تلقائيا ان الاتهامات مسيسة، وبالتالي فهي مرفوضة كليا وبلا أي جدل، بل لا لزوم لها، مثلما ان التحقيق والمحكمة واضطلاع مجلس الامن الدولي بجريمة الاغتيال لم يكن لها أي داع. وعدا التسريبات التي تبرعت بها نشرات الاعلام الاستخباري، فان اشارات التهديد والوعيد باتت تروّج لفتنة هدفها تحديدا حشر الدولة والحكومة ودفعهما الى عدم التعاون مع المحكمة والتنصل منها جملة وتفصيلا.
ولكي تكتمل عناصر التسميم كان لا بد ان يتبرع رئيس الاركان الاسرائيلي بتوقعه توترا في البلد بعد صدور القرار الظني، وكأنه أراد تقديم "هدية" اضافية الى خصوم المحكمة الذين تأبطوا تصريحاته للمحاججة بها ضد الفريق المعوّل على المحكمة. ولا شك ان تهم "العمالة" و"الخيانة" جاهزة منذ الآن لكل من تسوّل له نفسه الاعتراف او حتى مجرد التعامل العقلاني مع مجريات المحكمة.
اذا كان القرار الظني المرتقب ينذر بفتنة، كما يعدنا الجنرال الاسرائيلي وخصوم المحكمة اللبنانيون، فإن هيئة الحوار الوطني تبدو مدعوة، بل ملزمة ومجبرة على تدارس الامر وايجاد ضوابط للوضع منذ الآن. فمن يرى الشر آتيا ولا يبادر الى التصدي له كمن يرحب به للوقوع فيه. وهذا ذروة التخاذل والعبث.