تأملات القائد - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
الرفيق فيدل يتأمل: لعلها سكرات النزع الاخير، لكنها قد تكون تنبؤات العراف الذي لم يسجل تاريخه الطويل الكثير من الاخطاء، ولم يعتمد يوماً على تلك الكرة البلورية التي يبدو انه يحدق بها طويلا هذه الايام، ويحاول ان يسأل نفسه عما بعد الرحيل. هو يجزم بانه كان وسيبقى شيوعياً حتى الرمق الاخير، ويؤمن بما لا يدع مجالاً للشك انه لا حياة بعد الموت.. ولا بقاء لهذا العالم الفاني، بوجود اميركا واسرائيل.
الرفيق فيدل يتأمل ويقع بصره الحاد على رؤية مرعبة: انها الحرب النووية التي سبق ان تراءت له مرات عديدة على مدى العقود الثمانية الماضية، وكانت قاب قوسين او ادنى من الاشتعال في ستينيات القرن الماضي. هو لا يزال يصر على انها واقعة لا محالة، هذه المرة على ايران، لتمتد في ما بعد الى كوريا الشمالية، ولا تستبعد الهند وباكستان.. «الشرق الأوسط على شفا حرب نووية، التي ستنجم عن هجوم اميركي اسرائيلي على ايران تحت شعار منعها من تطوير أسلحة ذرية. ان خطر الحرب يتنامى. وهي لن تكون الا حرباً نووية».
هذه التأملات التي رددها الرفيق فيدل كاسترو في أربعة مقالات صحافية وفي اول مقابلة تلفزيونية منذ تنحيه عن السلطة في صيف العام 2006، لا تقع فقط في باب الكلام المصنف تحت شعار «من بعدي الطوفان»، ولا في باب الارشاد الداعي الى الشروع في بناء سفينة النجاة التي يمكن ان يستقلها الكوبيون. هو على الارجح، يدخل في سياق التسليم بان القوى الامبريالية العظمى، ليست على وشك التفكك والانهيار، على ما كان الشيوعيون يتوقعون في ما مضى، بل هي في طور جنون العظمة الذي بات ينذر بفناء البشرية.
اختيار الشرق الاوسط باعتباره مركز اللهب الاول، لم يكن صعباً، ولم يكن يحتاج تأملاً خاصاً من الرفيق فيدل: فالمنطقة عادت الى سيرتها القديمة التي استعارتها اوروبا في القرنين الماضيين، واستعادت دورها التاريخي كميدان لجميع الحروب والنزاعات العالمية الكبرى، وباتت مختبراً مهماً لما ستكون عليه صورة الدولة العظمى الوحيدة في العالم في خلال القرن الحالي، بعدما زادت ميزانيتها العسكرية على 1,5 تريليون دولار، يخصص نصفها تقريباً لتغطية نفقات الحملة العسكرية الواسعة النطاق على العالمين العربي والاسلامي.
لكن الحرب النووية، كانت ولا تزال بعيدة عن مخيلة الشرق الاوسط. مرة واحدة فقط صدر الانذار بنشوبها في المرحلة الاولى من حرب تشرين العام 1973، لكنها سرعان ما سقطت من الحسبان لتحل محلها عقيدة الحروب المفتوحة والطويلة الامد التي تلحظ تبادل الخدمات والمصالح، من دون تغيير جذري في الخرائط والحدود والسكان.. لتعود هذه المرة على لسان الرفيق المتأمل الذي رأى مثل هذه الحرب مراراً وفي مناطق مختلفة من العالم.
لعلها مجرد تهويمات من الرفيق الجالس على حافة القبر.. لكنها بالتأكيد تستدعي التأمل.