القبائل لا تصنع ديموقراطية - محمد الرميحي (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
حيرة الولايات المتحدة في كل من العراق وافغانستان، وفي غيرهما من مناطقنا الجغرافية، حيرة لم تحصل لقوة دولية سابقة لسبب بسيط جرى تجاوزه في شكل متعسف، هو ان "القبائلية لا تصنع ديموقراطية" على النمط الغربي. سوف تتعب اميركا حتى لو حشدت ثلثي حكومات العالم في كابول من اجل تدارس مخرج لها من هناك، وحتى لو اجرت انتخابات كل سنة في العراق، وهكذا في معظم، إن لم يكن في كل، مناطق الشرق الاوسط المعتمدة في تركيبها الاجتماعي على القبلية، الذي جذرته في الممارسة اكثر واعمق الدولة الريعية العربية المعاصرة.
المرحوم احمد حسن الزيات، ديبلوماسي مصري عايش استقلال الصومال، حكى لنا القصة الآتية ذات المغزى العميق، قال انه اراد ان يستكمل الشكل الحديث للدولة الجديدة فطلب من الاحزاب ان تسجل نفسها في شكل رسمي، فجاءته مجموعة صومالية وقالت نحن "حزب دحلة ومرنيلة". سأل الزيات وماذا يعني اسم هذا الحزب؟ قالوا انه ممثل قبيلتين صوماليتين صغيرتين اسمهما "دحلة ومرنيلة". رفض الزيات تسجيل الحزب الجديد، فالاحزاب تختلف عن القبائل وقال لهم ذلك، فعاد اليه الاشخاص أنفسهم بعد ايام من الاستمهال، وقالوا لقد اسسنا حزبا جديدا. ولما سأل عن اسمه قالوا انه الآن يدعى " الحزب الديموقراطي المستقل". سأل من جديد، وهل هناك حزب اسمه الحزب الديموقراطي حتى تميزون انفسكم بـ" المستقل"؟ قالوا لا، ولكن حزب دحلة ومرنيلة يحتاج الى الحروف الثلاثة ليستقيم !
وتحضرني مقالة كتبها استاذ الاجتماع في مصر السيد ياسين في "الاهرام" بعد الانتخابات العام 2005 قال فيها انها انتخابات "قبلية" كانت شبه مفاجأة لي، ولكنها بعد حين كانت الحقيقة.
أخيراً نشر كتاب بعنوان "الحصان القوي" لكاتب صحافي اميركي هو لي سميث مراسل الويكلي ستندر في الشرق الاوسط، قال فيه شيئاً لافتاً، وقد يكون اكتشافاً متاخراً لسوسيولجيا الشرق الاوسط من قبله، قال ان الغرب انقسم بعد الحرب العالمية الاولى – في نظرته وتعامله مع شعوب الشرق الاوسط – الى مدرستين، الاولى، الفرنسية التي رات ان شعوب هذه المنطقة ( قبائل ومذاهب وطوائف ) وقررت ان تتعامل معهم كذلك. اما الثانية، البريطانية، فوجدت ان هناك اغلبية سنية في المنطقة تعاملت معها وقياداتها كنخب قادرة على ترسيخ الاستقرار. يقول الكاتب ان اميركا اتبعت المدرسة الانجليزية، حتى حوادث 11 ايلول 2001، فانقلبت الى المدرسة الفرنسية. وهو امر يحتاج الى تفكير عميق، هذا ما يؤكده مقال آخر نشر في "الفورن افيرز" الشهيرة عدد تموز - آب الحالي في الاسواق، تحت عنوان "الدفاع عن نجاح في افغانستان"، يطالب فيه كاتبو المقال الثلاثة بالعودة في افغانستان الى ما سموه "الشرعية المحلية" التي شتتها اصلا، كما يرى المؤلفون، الاحتلال "السوفياتي" قبل اكثر من ثلاثين عاما، ودخلت بعدها افغانستان في اضطراب سياسي شديد حيث انتهكت "الشرعية المحلية" القائمة على نخب قبلية وطائفية.
المشاهد لاحداث العراق هو ذاك، اي ان "الدولة المركزية" ليست مطلوبة في التصور المستقبلي للعراق، بل التعامل مع كيانات انسانية متفرقة، وتحت ذريعة الحرص على التعددية او غيرها من الشعارات. تصب هذه المطالبات في كيان "كردي" في الشمال، وسني في الوسط، وشيعي في الجنوب، وما المنظور من حال التجاذب الخطر لتشكيل حكومة عراقية الا بسبب ذلك الانفصام ما بين نخب تحن الى دولة مركزية وبين قوى تؤكد المناطقية والطائفية. وهذا ما حصل – ويحصل – كنتيجة في السودان، فالجنوب والشمال ليسا نهاية القصة السودانية، على مراراتها، بل ايضا الغرب السوداني، وربما الشرق ايضا... في اليمن وفي الصومال، وهكذا حتى في الدولة العربية التي تبدو مركزية، فان نذر "القبلية" والمناطقية" و "الطائفية" هي الاكثر تعبيراً، وان اختلفت التسميات. حتى في بلد كلبنان فان " الاحزاب" هي في الحقيقة اما مناطقية او فئوية او طائفية في الاغلب. هذا في لبنان "المنارة العربية" كما يراها البعض من بعد! والاكثر غرابة انه حتى "الممارسات الديموقراطية"، على هزالها، جذرت الانتماء القبلي والطائفي، والمناطقي، وتغلبت على بذور بناء الدولة.
فكرة الديموقراطية كما يعرف كثيرون قائمة على " المساواة" ما بين اناس او مواطنين في كيان اسمه الدولة، وهي، اي المساواة، ليست قيمة من قيم "القبلية" او "الطائفية" او "العرقية"، هي في كل تجلياتها تراتبية حتى النخاع. فكرة المساواة تناقضها فكرة التعصب السائدة، وهي سائدة لان " عضو القبيلة" اياً كان مظهرها الحديث يوحى له من الزعامة او يؤكد لنفسه انه متفوق على الاخر هو "غير الاخر الدوني"، ليس بسبب قدراته او امكاناته،كما هو في المجتمع الصناعي وما بعد الصناعي الحديث، ولكن فقط بسبب انتمائه العرقي والمذهبي والمناطقي والطائفي. اي بسبب علاقة الدم والدماغ والنسب. فكرة المساواة، على بساطتها ومركزيتها في الممارسة الديموقراطية، يمكن ان يختبر نبذها على اشارة المرور كل يوم في اي مدينة عربية. فكم راكب مركبة اوقفه شرطي لسبب ما على الاشارة، فاذا بمن خلفة يزعق ببوق طويل للتنبيه، انه شخص مهم يجب ان لا يتأخر في الطريق بل يفسح له مهما كانت العقبات امام من سبقه في الطابور! هي فكرة بسيطة ولكنها تنم عن عدم قبول المساواة في مدننا العربية. لهذه الظاهرة تفسير، فنحن في مجتمعات مشمولة بالقبلية في ظاهرها مجتمعات حديثة وفي حقيقتها تراتبية في البناء الاجتماعي. الا نرى ان الكثير من "الجرائم" يحل في "مجلس عشائري" وكذلك الخلافات السياسية؟ المرشح في الديموقراطيات الغربية يقال له Candidate وهي كلمة مشتقة من Candidatus اي لابس الابيض الذي يدل على الطهارة. ترى كم مرشح في كل ما نسمية "ديموقراطية" في بلادنا على وسعها من شنقيط الى رأس الخيمة يرشح نفسه معتمدا على "الطهارة" لا على "المهارة" في خداع الناس واثارة حميتهم وتحريك غرائزهم ! الديموقراطية تمنع ان يرى البعض نفسه ملاكا او إلهاً، وكم منهم اليوم في بلادنا يرى نفسه كذلك؟ سموها ما اردتم في الممارسة القائمة ولكن، بحق العقل، لا تسموها ديموقراطية، فالقبيلة لا تنتج ديموقراطية، هما على خطين متناقضين.