ما جدوى النقاش في الموازنة إذا لم يلحظ مشكلة الإنفاق؟ - سابين عويس (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لم يعد خافياً على أي اقتصادي أو رجل أعمال او مستثمر، مدى تأثر الوسط الاقتصادي والاستثماري بالمناخ السياسي العام رغم محاولات الفصل الحثيثة التي يجهد القطاع الخاص في ارسائها، بعدما بات الاضطراب السياسي والبيروقراطية الادارية المعوقين الاساسيين أمام تحسن بيئة الاعمال والاستثمار في البلاد.
هذا الواقع ينسحب على المشهد الاقتصادي والسياحي في عز موسم الصيف، اذ تعيش البلاد في حال ترقب وانتظار للمواقف السياسية حول الملفات المطروحة في ظل استحقاق اثارة موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وآخر المحطات الخطاب المرتقب للامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله هذا المساء، والذي يعد فيه بتغيير المشهد السياسي من خلال المعطيات التي سيقدمها في شأن التحقيق الدولي.
وفي حين تدخل الحكومة في اجازة، في ظل غياب رئيسها وعدم عقد جلسات لمجلس الوزراء بانتظار عودة الحريري من اجازته في سردينيا، يبقى العمل على عدد من الملفات المطروحة وان بوتيرة بطيئة.
وفي هذا المجال، لا بد من التوقف قليلا عند النقاش الدائر حول مشروع قانون الموازنة العامة لهذه السنة في لجنة المال والموازنة النيابية، وقد بدأ قبل اسابيع وتركز على المادة الخامسة منه، المتعلقة بمبدأ الاقتراض.
وفيما خضعت هذه المادة لنقاش استغرق أكثر من جلسة، استهدف اخضاع مبدأ الاقتراض لرقابة مجلس النواب وتحديد سقوف للاقتراض – علما ان الامرين يردان في كل مشاريع قوانين الموازنات المحالة على المجلس، لكنه لم يتم التدقيق في نصوصها كما تقول اوساط نيابية اكثرية، فان اي تغيير جوهري لم يحصل في هذا الشأن برأي هذه الاوساط، خلافاً لما تعتقده اوساط اقلية، مما يعني ان المشكلة القائمة في المقاربات الاقتصادية وتفسير القوانين لا تزال على حالها وتعكس حجم الهوة في الثقة بين الفريقين النيابيين.
وفي هذا المجال، ترى مصادر اقتصادية ان النقاش حول الموازنة لم يتناول حتى الآن النقاط التي تحتاج الى نقاش جدي وتوافق سياسي حولها، علما انها تتمحور على الانفاق وشمولية الموازنة والدين العام وسبل احتوائه عبر الاصلاح المالي.
ففي مسألة الانفاق العام، لا بد للنقاش من ان يتناول سياسة الحكومة وتوجهاتها في هذا الشأن، ان حيال تحديد جدوى الانفاق الاستثماري المنفلش الذي طلبته استثنائيا هذه السنة، علما ان الاموال المتوافرة من قروض خارجية ميسرة وتمويل باريس3 وفوائض السيولة المصرفية لم يجر توظيفها حتى الآن، او حيال تحديد الموارد التي ستعتمد عليها الحكومة لتغطية هذا الانفاق الاضافي والاعباء المالية التي تترتب على موازنة السنة المقبلة والاجراءات الضريبية المرتقبة لتغطيتها.
اما في مسألة شمولية الموازنة والنقاش الدائر حولها حيال دعوة فريق الاقلية الى ضرورة لحظ كل الانفاق من خارج الموازنة داخل المشروع، فان الاوساط النيابية عينها ترى ان المسألة ليست في شمولية الموازنة باعتبار ان كل المشاريع تلحظ الانفاق من خارجها وان ضمن بند انفاق الخزينة، بل هي في الواقع في ضبطه واخضاعه للرقابة. فالصناديق والمجالس وردت اعتماداتها في الموازنات، ولكن انفاقها يخضع للقوانين الخاصة التي ترعاها، وهي تتطلب تاليا ضبط انفاقها وجدواه وابوابه بحيث لا يعود خاضعا للمحاصصات السياسية.
اما بالنسبة الى القروض الخارجية التي تعتبر من خارج الموازنة، فهي مخصصة لتمويل داخلي كعجز الكهرباء او تمويل كلفة الدين العام، وذلك يتم وفق الاوساط عينها بموجب قوانين مصرح عنها ولها ضوابط تتم المصادقة عليها في مجلس النواب، وهي خاضعة تاليا لرقابة المجلس وان لم تدخل ضمن مشاريع الموازنات، لكنها في المقابل تخضع لشروط المقرض مما ينسف كل الكلام عن تعديلات جوهرية خضعت لها سياسة الاقراض من خلال النقاشات الجارية في المجلس.
وترى الاوساط استطرادا، ان ادراج هذه البنود ضمن الموازنة لا يحقق شموليتها وشفافيتها بل يضعها ضمن آليات المراقبة، مشيرة الى ان ما هو مطلوب فتح النقاش حوله اليوم في الحكومة ومجلس النواب على السواء هو العودة الى مسار الاصلاحات المالية التي بدأت بعد مؤتمرات باريس الدولية وكان يجري العمل عليها حيال موازنة الاداء والبرامج واعادة النظر بقانون المحاسبة العامة ووضع قانون جديد بعد فصله عن قانون المناقصات ووضع قانون خاص في هذا الشأن، وهما مشروعان موجودان في مجلس النواب ويرسيان التغيير الحقيقي المرتقب في شأن ادارة المالية العامة. علما ان قانون المناقصات هو من المشاريع المصنفة "هجينة" وتنتظر التسوية السياسية في شأنها.
لقد شارفت السنة المالية الانتهاء، والنقاش لا يزال جاريا على بنود الموازنة والانفاق على اساس القاعدة الاثني عشرية. فعسى ان ينتج هذا النقاش، اذا لامس النقاط المحورية الجوهرية، التغيير المطلوب في موازنة 2011 لأن الاوان ربما فات هذه السنة لاجراء هذا التغيير