اقتراح "المركز الإسلامي" في نيويورك: نراهن على تسامح العلمانية الأميركية - جهاد الزين (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
أيا تكن الحجج المتبادلة في السجال المهم بين مؤيدي ومعارضي اقتراح مركز اسلامي في محيط مكان "مركز التجارة العالمي" المفجَّر في احداث 11 ايلول 2001 في نيويورك، فالامر الذي سيكون اكيدا ان العلمانية الاميركية او "السيكولارية" الاميركية، ستخرج اكثر عظمة، وتأثيرا لو اقيم هذا المركز الاسلامي في تلك المنطقة من نيويورك.
انه سجال تأسيسي فعلا ذلك الذي تحول اليه الجدل حول الاقتراح. سجال يمكن وضعه على مستويين متكاملين في عالم اليوم:
الاول اميركي داخلي... فهو سيكون محطة نوعية جديدة في نمط استيعاب العلمانية الاميركية، المتميزة في الاطار الانكلوساكسوني الثقافي، لمسألة الاسلام في تراثها الطويل الذي قام على اولوية الحريات الدينية في ديموقراطية فصل الدين عن الدولة.
الثاني هو المخاض الغربي، الاوروبي والاميركي، الذي تجد نفسها فيه الديموقراطيات الغربية في عملية التكيف الدستوري – السياسي – السوسيولوجي مع تحول المسلمين الى كتلة اجتماعية كبيرة عدديا في الحياة العامة لبعض هذه الديموقراطيات ولاسيما الديموقراطية الفرنسية التي تنتمي الى نظام علماني مختلف عن "العلمانية" الاميركية.
على المستوى الاول، اي الاميركي الداخلي، ورغم حدة بعض الآراء الاميركية المعارضة في الحزب الجمهوري لانشاء هذا المركز، لا سيما رئيس مجلس النواب الاسبق نيوت غنغريش والمرشحة السابقة لنيابة الرئاسة في الانتخابات الاخيرة سارة بالين (كذلك، بالمقابل الحدة الاتهامية لبعض الاصوات المسلمة في العالمين العربي والمسلم ضد اميركا نفسها وليس فقط ضد معارضي الاقتراح)... رغم ذلك ينبغي عدم اعتبار كل معارضي الاقتراح، او المتحفظين عليه معادين للاسلام... وللمسلمين. اذ يجب الاعتراف ان الاقتراح يثير مسألة معقدة وبعض الحجج ضده جديرة بالتأمل حتى لو كان "المراقب" داخل اميركا او خارجها راغبا بانشاء هذا المركز الاسلامي، فليس سهلا بعد 11 ايلول ولاسيما في الظروف العالمية القائمة تجاهل رأي "بل واقعة" ان الاقتراح نفسه يمس بمشاعر عدد لا يستهان به من عائلات ضحايا مجزرة 11 ايلول الثلاثة آلاف ونيف، وحتى لو كان عشرة في المئة منهم مسلمين كما تشير معظم الاحصاءات.
في النتيجة اغلب الظن ان اميركا التي تملك طبقتها الوسطى البيضاء وخصوصا بين الشباب شجاعة – ورؤية – انتخاب شخص اسود للرئاسة مثل باراك اوباما ستتمكن من الوصول الى "تسوية" ما حول الموضوع تحفظ القوة العميقة للقيم الاميركية التكوينية المجربة بالدفاع عن الحريات الدينية.
ففي بلد مثل اميركا يتعرض لمجزرة بحجم 11 ايلول ولا يحصل اي رد فعل جماعي (اكرر: جماعيا وليس فرديا) في الشارع ضد اي اقلية مسلمة في اي ولاية او مدينة او دسكرة اميركية، على الرغم من تحول الدولة يومها الى دولة بوليسية من حيث حجم الاجراءات المتخذة في الارتياب بالمدنيين... في بلد كهذا اثبت مجتمعه العام، كما معظم طبقته السياسية، هذا المستوى من النضج والتطور الثقافي – الديموقراطي في الداخل، من الصعب بل من المستحيل عدم العثور في نهاية الامر على حل ايجابي لمسألة انشاء مركز اسلامي يريد اصحاب مشروعه التأكيد على رفض الاسلام المعتدل، وهو الاكثرية، لسلوك الاسلام الراديكالي بل الارهابي الذي قام بمجزرة 11 ايلول.
عدتُ الى كتاب نوح فلدمان، القانوني الاميركي، الذي اشتريته من مكتبة جامعة ستانفورد في كاليفورنيا عام 2007 – والصادر في طبعته الاولى عام 2005 في نيويورك – تحت عنوان "منقسمون بالرب" وهو بحث في تاريخ القانون منذ تأسيس الفيديرالية الاميركية للسجالات والمشاكل التي رافقت علاقة الدولة بالكنيسة (او الكنائس) الاميركية.
لقد بلغ الاعتراض الكاثوليكي في اواخر النصف الاول من القرن التاسع عشر على تقليد قراءة نصوص من الكتاب المقدس (العهدان القديم والجديد) في المدارس الرسمية حد انفجار اعمال عنف قامت بها جماعات بروتستانتية ضد الكاثوليك في فيلادلفيا وادت الى عشرات القتلى. فقد نظر البروتستانت الى الرفض الكاثوليكي كنوع من تهديد للشخصية الاميركية التي تأسس عليها الاتحاد الاميركي. كان ينظر الى الموجات الكاثوليكية من المهاجرين الى اميركا، ولاسيما الايرلنديين، باعتبارها – كاليهود – موجات دخيلة على "النسيج" الاميركي، وهذا ما جعل الكاتب يستنتج ان "مسألة الكتاب المقدس في المدارس (العامة) فُهمت كمسألة سياسية واجتماعية وليس كمسألة قانونية ودستورية" وانه فقط بعد "الحرب الاهلية (1860) دخلت هذه المسألة مجال القرارات الدستورية".
المهم في ما يعنينا هنا، ان اميركا واجهت سجالات بين المذاهب المسيحية في سياق تاريخها ترافقت مع اعمال عنف لم تشهد مثلها الحقبة المعاصرة التي تتميز بسمة السجال حول دمج الاسلام كدين من الاديان الاميركية وهذا تطور حديث تاريخيا.
لا شك ان نتائج هذا السجال الداخلي الاميركي ستكون شديدة التأثير في اوروبا التي تشهد حاليا – باستثناء بريطانيا – اتجاهات متشددة بل سلبية في التعاطي مع بعض القضايا المتعلقة بالاسلام والمسلمين المقيمين في القارة.
واذا كانت السياسة الخارجية الاميركية تواجه معضلات تقليدية في اكثر من نصف القرن المنصرم، لا سيما بسبب الانحياز الاميركي الى اسرائيل، وما تثيره من نقمة عميقة، ينبغي الاعتراف ان التجربة الداخلية الاميركية في التعاطي مع الاسلام هي تجربة رائدة ولا تزال حتى الآن غير متوترة اجتماعيا وسياسيا بخلاف الجو الفرنسي، وعلى الرغم من 11 ايلول. (المفارقة ان في نيويورك نفسها حاليا عشرات المساجد!). مع الاشارة إلى العدد الجديد من "التايم" تحت عنوان: "هل أميركا مصابة برهاب الإسلام؟" وعلى الرغم من خلاصته التشكيكية. هذا الجانب الداخلي من التجربة هو الذي يسميه مؤيدو الاقتراح من المعلقين والسياسيين الاميركيين "القيم الاميركية".
وهذه القيم، بكل ارثها الدستوري، السياسي، الثقافي... الاجتماعي، هي التي تجعلنا نراهن على نوع من النهاية الايجابية لهذه المسألة، تأخذ في الاعتبار "الحكمة" التي دعا اليها الرئيس اوباما.
لكن للتكرار: لا شك – لو حصلت هذه النهاية الايجابية، اي لو قام المركز الاسلامي (تحت اي اسم) سيجعل لا العلمانية الاميركية اعظم فحسب، بل اميركا نفسها.