إيران وأميركا: من العداء إلى تنظيم الاختلاف ؟ - سركيس نعوم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا يزال الرئيس الاميركي باراك اوباما ماداً يده الى الجمهورية الاسلامية الايرانية رغم الصد الذي لقيه منها منذ عرض عليها الحوار لتسوية القضايا المختلف عليها بين بلاده وبينها، بل بينها وبين المجتمع الدولي بعيد تسلمه سلطاته الدستورية في كانون الثاني 2009. طبعاً لم يعنِ ذلك انه الغى باختياره الحوار كل خيار آخر للتعامل مع النظام الاسلامي الحاكم في ايران وخصوصاً الخيار العسكري. وقد اكد ذلك في احد خطبه الاخيرة. لكنه يعني انه يفضّل الخيار السلمي في التعامل مع ايران على اي خيار آخر وخصوصاً اذا فتحت الاخيرة الابواب امامه. ذلك ان الخيار العسكري سيكون محفوفاً بصعوبات كثيرة وكبيرة رغم الاختلال الواضح في ميزان القوى العسكرية بين الدولتين. وما جرى في العراق بعد نجاح اميركا بوش في اطاحة نظام صدام حسين عام 2003 ولا يزال يجري الا دليل على ان لايران قدرة على تعطيل الكثير من الاستراتيجيات الاميركية والإضرار بالكثير من المصالح الاميركية في المنطقة. وما بدأ يجري اخيراً من تصاعد للعنف في افغانستان إلا دليل آخر على قدرة ايران وجهات اخرى على الايذاء. وما الارتباك في الشرق الاوسط الذي تسببت به ايران عبر حليفيها السوري و"حماس" وعبر ابنها "حزب الله" إلا دليل ثالث على القدرة نفسها. طبعاً لا يقتصر رد فعل ايران الاسلامية على اليد الاميركية الممدودة على إظهار قدرتها على الايذاء، بل ترافقه احياناً مرونة تبدي من خلالها استعدادها للحوار والبحث في المشكلات كلها مع التمسك بحقها في امتلاك تكنولوجيا نووية للاستهداف السلمي، وبرفض تدخل اي قوة خارجية في شؤونها الداخلية وتحديداً في نظامها الاسلامي الذي "اختاره" شعبها. وتصل هذه المرونة في بعض الاحيان الى حد القبول المبدئي وبعد مشاورات غير مباشرة عميقة واحياناً بعد لقاءات مباشرة باقتراحات من شأن مناقشتها وتالياً التفاهم في شأنها حل الصراع الذي صار مزمناً بين واشنطن وطهران وبين الاخيرة والمجتمع الدولي. لكنها سرعان ما تختفي ليحل مكانها من جديد التصلّب والتشدّد، ولتعود المواقف العدائية تجاه اميركا وغيرها الى خطابات المسؤولين الكبار في ايران بدءاً بالولي الفقيه آية الله علي خامنئي. وقد تسبب ذلك بالحيرة اكثر من مرة لعدد من الاميركيين المتعاطين مع هذا الملف، كما لعدد من حلفاء اميركا في الشرق الاوسط وخصوصاً الذين يتلقون الضربات من جراء استمرار "الصراع" الذي يكاد ان يصبح تاريخياً بين الدولتين.
الى اين تتجه العلاقات او اللاعلاقات بين واشنطن وطهران؟ وهل مستقبلها الصدام في نهاية الامر أم التوافق؟
العارفون والمتابعون من اميركيين وايرانيين وعدد من الخبراء في المنطقة يعتقدون ان الجمهورية الاسلامية الايرانية لا تنوي الذهاب في الصراع مع اميركا الى الآخر اي الى رابح وخاسر. ويعتقدون ايضاً ان في هذه الجمهورية من يفكر ببراغماتية وحكمة وواقعية رغم الطابع الايديولوجي والمبدئي لنظامها. وهذا النوع من التفكير يقود، وهذا امر قيل اكثر من مرة في هذه الزاوية كما في وسائل اعلامية اجنبية عدة، الى الاقتناع بوجود التقاء في المصالح الاميركية – الايرانية، رغم اختلاف الانظمة واختلاف الاديان وموقع الدين في الانظمة المتصارعة. فالتيارات الاسلامية الاصولية السنّية التكفيرية والعنفية تخوض والولايات المتحدة حرباً ضروسة في كل انحاء العالم. والعالم الاسلامي يبلغ تعداده قرابة مليار وأربعمئة مليون مسلم يشكّل السنة بينهم قرابة ثمانين في المئة. والتيارات المشار اليها تنتشر بين هؤلاء كالنار في الهشيم. ومن شأن ذلك مع الوقت تغيير الانظمة في العالم الاسلامي وتحوّله عالماً معادياً للغرب ولاميركا وربما لكل الاديان الاخرى. وأمر كهذا يهدد اميركا في الصميم وربما العالم، لكنه يهدّد ايضاً ايران الشيعية بنسبة 90 في المئة كما كل الشيعة في العالم الذين يكفّرهم المنتمون الى التيارات المذكورة اعلاه. ولهذا السبب فإن مصلحة اميركا وايران التفاهم اولاً لمواجهة عدو مشترك وتالياً لتأمين اوضاع اقليمية قادرة على مواجهة التهديد الاصولي السنّي التكفيري ولاحقاً على اضعافه ثم التخلّص منه.
لكن هذا النوع من التفكير، يلفت العارفون والمتابعون والخبراء اياهم، لن يقود ايران الاسلامية اليوم الى تفاهم او الى تسوية مع اميركا. بل سيقودها اذا لم تطرأ مفاجآت معرقلة كأن يتسبب احد بحرب مع ايران تشنها اميركا او اسرائيل او الاثنتان معاً، علماً انها من جهتها ستبذل جهودها لعدم الوصول الى حال كهذه - سيقودها الى مرحلة اولى من العلاقات تقوم على مبدأ تنظيم الاختلاف بين الدولتين. وفي ذلك تقدم لأنه يعني عودة العلاقة والحوار والتفاهم حيث يجب او حيث تقضي المصالح المتلاقية. اما القضايا الاخرى فتبقى خلافية الى ان يحين اوان حلها. وهذا الاوان يحدده نجاح ايران في تحقيق انجازات نووية نهائية تمكّنها من إقامة نوع من التكافؤ وإن في الحد الادنى مع الدول الكبرى، وتؤهلها لدور اقليمي مهم قد يكون اكبر من ادوار دول اخرى في المنطقة تعتبر نفسها او كانت تعتبر نفسها كبرى. والى ان يتحقق ذلك ستبقى العلاقات عدائية مع تعاون محدود ثم تتحول علاقة تنظيم الاختلاف. اما علاقة التعاون وربما التحالف فتحتاج الى "المدى البعيد" لكي تقوم. هل يعني ذلك ان "الهلال الشيعي" الذي تحدث عنه سابقا العاهل الاردني سيصبح حاجة اميركية؟ (سؤال بريء...)