نضج آخر في التجربة التركية: الزعيم "العلوي" حزب أتاتورك - جهاد الزين (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
تستأثر شخصية رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان منذ سنوات بنجومية ساحقة خارج تركيا، كما داخلها. واذا كان هناك قبل العام 2010 من يشارك بين وقت وآخر بهذه الاضواء فسيكون من داخل "حزب العدالة والتنمية" (AKP) الذي بات بالامكان تسميته الآن بـ"الحزب الحاكم" وليس فقط بـ"الحزب الحكومي". بصورة خاصة هناك الثلاثي اللامع الذي يضم مع اردوغان، رئيس الجمهورية عبدالله غول... ومنذ العام 2009 وزير الخارجية الدكتور احمد داوود اوغلو الذي يحظى باهتمام واسع في الاوساط الديبلوماسية والاكاديمية في العالم كنوع من "كيسنجر تركي حقيقي" مع تبلور رؤيته للسياسة الخارجية التركية التي تقترح تحويلاً جذرياً يجري تطبيقه بقيادة اردوغان في موقع تركيا كقوة اقليمية حيال ثلاث مناطق استراتيجية بالنسبة لها هي البلقان والقوقاز والشرق الاوسط.
لكن هذا العام – 2010 – شهد تعديلاً، ليس راديكالياً على هذا المشهد للنجومية الساحقة لاردوغان ومعه طرفا المثلث الآخران غول وداوود اوغلو، ولكن هذا التعديل قياساً بالسنوات الثماني الاخيرة، ولا سيما السنوات الخمس الاخيرة، على درجة هامة من الواقعية والاحتمالية في آن معاً.
فمع اختيار كمال كيليشدار اوغلو كزعيم لحزب الشعب الجمهوري (CHP) بدا الامر وكأن الحزب المعارض الرئيسي في البرلمان وهو الحزب الذي انشأه اساساً مؤسس الجمهورية مصطفى كمال اتاتورك يحظى للمرة الاولى منذ اكثر من عقد بزعيم ذي مصداقية حقيقية وواعدة.
فكمال كيليشدار اوغلو ذو سمعة شخصية نزيهة مُسَلّم بها بفعل عمله الطويل السابق كمسؤول معروف في القطاع العام ساهمت أساساً في اختياره لموقع زعامة "حزب الشعب الجمهوري" بعد السقوط المفاجئ والمدوّي للزعيم السابق دنيز بايكال اثر فضيحة جنسية مصورة.
غير انه ليست هذه فقط اضافة الزعيم الجديد. وبهذا المعنى ليست الاضافة الوحيدة التي يمكن اعتبارها تجديداً جاداً في التطوّر التاريخي للديموقراطية التركية وخطوة في مجال تأكيد مرحلة اعلى من التبلور السياسي، فصحيح ان نخبة واسعة من العلويين الاتراك الذين تبلغ تقديرات عددهم بين الـ 15 مليوناً كحد ادنى وحتى ما يتجاوز العشرين مليوناً كحد اقصى من اصل حوالى 74 – 75 مليون تركي، هذه النخبة الواسعة تشارك في مستويات رفيعة للدولة التركية منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 وبينها وزراء وسفراء ومدراء عامون وضباط كبار وهي تزداد اتساعاً ومشاركة بمعزل عن تراجع او تقدم نسب المشاركة في بعض الحكومات احياناً، غير انه من غير المألوف ان تصل الى الزعامة الاولى لحزب الشعب الجمهوري شخصية علوية.
يحظى كيليشدار باحترام شخصي كبير، ومعروف انه شديد الحماس لاندماج تركيا في الاتحاد الاوروبي وهو من عائلة رجال دين علوية اناضولية ومؤمن بأفكار "يسار الوسط" التي يمثلها حزبه، كما ان ما يعطي لوضعيته رمزية اضافية ان له جذوراً كردية والبعض يقول ان دماء ارمنية تسري في عروقه ايضاً. وهو بعد انتخابه قبل اشهر كزعيم للمعارضة نال استقبالاً حافلاً من الصحافة التركية بما فيها الصحافة المؤيدة لـ"حزب العدالة والتنمية".
قام الرجل بعدد من المبادرات بعد توليه زعامة الحزب ومنها مؤخراً ايحاؤه بامكانية الوصول الى تسوية بين (AKP) وحزبه (CHP) كذلك (MHP) الحزب الثالث في البرلمان وهو "حزب الحركة القومية" التركي والملقب بحزب "الذئاب الرمادية"... تسوية تعيد السماح بارتداء الحجاب في الجامعات التركية. غير ان انتقاده لاجتهاد اصدره "مجلس التعليم العالي" الذي اقر بامكانية ارتداء الحجاب وما اثاره من نقاش دستوري واسع لم يحسم حتى الآن، جعل اخصام كمال كيليشدار السياسيين يتهمونه بالتراجع عن انفتاحه السابق وآخرهم زعيم (MHP) متهمين اياه بأنه يحاول مساومة "حزب العدالة والتنمية" على تخفيض حد العشرة بالماية الذي يفرضه النظام الانتخابي كحد ادنى لدخول البرلمان.
سيكون من المبكر توقّع عودة "حزب الشعب الجمهوري" السريعة الى السلطة في الانتخابات المقبلة، او حتى اي حلف بين الاحزاب التقليدية. فالتحولات في المجتمع التركي عميقة وحيوية الى درجة تجعل "حزب العدالة والتنمية" حصان التغيير التركي في الانتخابات المقبلة، لكن قد يمكن لدور طاقم جديد في "حزب الشعب الجمهوري" بقيادة كمال كيليشدار اوغلو ان يؤسس لعودة صعود ما وبالتأكيد لوقف الانحدار الذي تعرضت له الطبقة السياسية العلمانية الكلاسيكية، فواحد من اقوى العوامل التي جاءت اصلاً بالانتصارات الانتخابية المتتالية لحزب رجب طيب اردوغان هو التردي الهائل الذي بلغته سمعة الاحزاب التقليدية ولا سيما نخبها القيادية في التسعينات واوائل العقد الاول من القرن الحادي والعشرين (اضافة طبعاً الى سمعة الكفاءة التي اظهرها طاقم اردوغان في مجالات الاقتصاد والعمل البلدي).
لكن كما هو منطق التغيير، فالقوى الطليعية في التجارب السياسية تفتح الطريق ايضاً لقوى منافسة. "حزب العدالة والتنمية" يقوم بدوره في تفعيل تاريخي لتجارب اجيال سبقته في تحديث الاقتصاد التركي وهو الآن يدفع بنجاحات البنية الاقتصادية التركية الى مستويات غير مسبوقة في الاستثمار والتصدير مثلما سبقه في ثمانينات القرن المنصرم الرئيس توركوت اوزال وفريقه الذي استلم بعد انقلاب عام 1981 وعودة العسكر السريعة الى الثكنات بعد اقرار دستور جديد نجح رجب طيب اردوغان في الاستفتاء الاخير بإحداث اكبر تعديلات من نوعها عليه.
هل يكون كمال كيليشدار وجيله في "حزب الشعب الجمهوري" ارهاصاً مبكراً "جداً" لمرحلة ما بعد "حزب العدالة والتنمية"؟
سواء استطاع هذا البيروقراطي السابق ذو السمعة الشخصية الحسنة، والآتي من عائلة مناضلة معيشياً ان يمثل نقطة انعطاف في مستقبل الصراع السياسي التركي ام لم يستطع، فإن موقعه الحالي على رأس حزب اتاتورك هو تعبير عن نضج جاد في التجربة الديموقراطية التركية... سيكون له اثره في المزيد من تعزيز "تصدير المعنى" الذي باتت تمتلكه تركيا على اكثر من صعيد. فكما ان قوة الحضور التركي المستجدة – بما فيها بعض المجازفات الخطرة في السياسة الخارجية – لا يمكن تصورها بدون اقتصاد تركي متقدم وقوي في محيطه، لا يمكن ايضاً تصوّر رسوخ النموذج التركي بدون قدرة تركيا على "انتاج المعنى" اي الديموقراطية.
يذهب البروفسور احمد داوود اوغلو في جولة شرق آسيوية تشمل الصين الشعبية، لقد اسمت مجلة "الايكونومست" البريطانية تركيا مؤخراً بأنها "صين أوروبا". (مع العلم ايضاً ان تركيا تعاني عجزاً كبيراً في تبادلها التجاري مع الصين وبضائعها المغرقة للسوق التركي!).
الذي يمكن ان تضيفه "صين اوروبا" على "النموذج الصيني" هو التحوّل الديموقراطي. والمجتمع التركي، لا سيما في الاناضول، مركز الحراك الاجتماعي التحديثي، يزداد توسعاً في طبقته الوسطى المستقبلة والمنتجة للديموقراطية: رمزية وجود كمال كيليشدار اوغلو في موقعه الحالي جزء لا يتجزّأ من هذا التحوّل العميق لدولة عليها – داخلياً - بدون ادنى شك ان تواجه المعضلة الكردية كمسألة متفجرة وبالتالي ملحة على المستوى الوطني.
لكن "حزب العدالة والتنمية" بالذات الذي يضم في صفوفه علويين، يعرف ان التحوّل الهادئ البنيوي، لا يجعل الملف العلوي في اي لحظة ملفاً خطراً على الوحدة التركية، خلافاً للمسألة الكردية. فالعلويون مشاركون متحمسون في بناء "الجمهورية" بالذات، انما في الوقت نفسه وعلى المدى الابعد لا يمكن ان يكتمل الاندماج التركي بمعناه الاعمق، بدون احداث تغييرات في مفاهيم "ادارة الشؤون الدينية" السارية.