عودة بوش - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
في الخبر أن المئات من مواطني مدينة دالاس في ولاية تكساس الاميركية، وثمة من قال ان الرقم كان بالآلاف، وقفوا صفوفا طويلة متراصة، بعضهم وصل مساء اليوم السابق للحدث، افترش الارض أو نام على الرصيف، لكي يكون اول الواصلين، ولكي يحظى بالتوقيع الاول، او لكي يكون من المحظوظين الاوائل. الصور التي التقطها المصورون الصحافيون كانت تؤكد ان الحشد كبير جدا، يغلب عليه طابع الشبان والشابات الصغار الذين يريدون الحصول على نسخة من كتابهم الاول، والقاء النظرة الاولى على الكاتب الذي يطل للمرة الاولى ربما على عالم الكتابة.
كان الحشد مفاجئا فعلا، حتى ولو كان هؤلاء الشبان والشابات تلقوا المال أو التشجيع أو التكليف من ذويهم لكي يقفوا في الشارع ساعات طويلة، ويخرجوا من المكتبة حاملين نسختهم من كتاب «لحظات القرار»، لمؤلفه الرئيس السابق جورج بوش الذي ظل طوال العامين الماضيين في الخفاء، تفاديا لاحراج حلفائه الجمهوريين والاساءة الى سمعتهم والى حظوظهم الانتخابية، التي تحسنت في انتخابات الكونغرس النصفية الاسبوع الماضي، فقط لان ذلك الرجل المثير للجدل والشك كان بعيدا عن ساحات المعركة، وطلب منه ان يؤجل حفل التوقيع على كتابه الى ما بعد اعلان النتائج.
امتثل بوش للطلب، لكنه عاد الى الواجهة مظفرا. صحيح ان الصحافيين والمصورين الاميركيين اغتنموا مناسبة عودته لكي يمارسوا هوايتهم المفضلة بتشويه صورته وتحطيمها، ككاتب لم يسبق أن خط بيده كلمة ذات معنى أو أطلق فكرة ذات مغزى، أو كشخص تنم ملامح وجهه وحركات عينيه ويديه عن الكثير من البلاهة، وضحالة الثقافة، والتعدي على تقليد رئاسي عريق في اميركا يقضي بأن يكتب كل رئيس تجربته في الحكم ويطعمها ببعض الخلفية الشخصية والعائلية.
هذا ما فعله بوش بالتحديد، وهذا ما ردت به الصحافة الاميركية، التي سعت جاهدة الى البحث عن أسرار ووقائع غير معروفة من تلك الحقبة المشؤومة التي امتدت ثماني سنوات، لكنها لم تجد سوى بعض الخلافات الفردية التي ليس لها اي معنى سياسي بين الرئيس السابق ونائبه ديك تشيني، أو بينه وبين وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد وغيرهما من اركان ادارته. لكنها لم تعثر على مراجعة دقيقة لهجمات 11 ايلول وظروفها ونتائجها او على قراءة معمقة لحربي افغانستان والعراق وغيرها من الحروب التي شنها بوش او ساهم في تأجيجها.
القاسم المشترك الذي يمكن استخلاصه من كل ما نشر من الكتاب او عنه، هو ان بوش عاد كما كان، شخصا غير محبب، اساء الى صورة اميركا وامنها واقتصادها واجتماعها وترك لمن جاء بعده ارثا ثقيلا لا يحتمل، لكنه لن يبقى رئيسا سابقا فقط، مثلما هي حال بيل كلينتون او جيمي كارتر، لان الجمهور الاميركي المحافظ يبحث عن زعيم أخرق، يضرب ثم يفكر، ويساهم في صنع زعامة الحزب الجمهوري المفكك.. وفي قيادة الاميركيين والعالم الى اهوال جديدة.