قواسم لبنانية عراقية - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
كُتبت سيناريوهات عدة حول ارتباط الأزمة اللبنانية بالأزمة العراقية، كانت في معظمها ظالمة للاشقاء العراقيين، وجاهلة بحال اللبنانيين. وتوصل الكتبة على اختلافهم الى استنتاجات مفادها ان التوصل الى حل لمسألة تشكيل الحكومة الجديدة في العراق، سيؤدي حتما الى حل لمعضلة المحكمة والمقاومة التي تؤرق ليل لبنان ونهاره، على قاعدة ان الوسطاء الذين اجترحوا المعجزة العراقية بعد ثمانية اشهر على الانتخابات، هم انفسهم الذين يتوسطون بين الفرقاء اللبنانيين، وهم لن يعدموا وسيلة لإخراج لبنان من مأزقه الراهن.
وكان أغرب هذه السيناريوهات يفترض ان الصلة بين الأزمتين تستدعي ادراجهما معا، وفي وقت واحد، على جدول اعمال كل وسيط، فتصبح التنازلات والاغراءات التي تقدم في بغداد بديلا لمكاسب او مغانم تتحقق في بيروت، ويصير الوسطاء مثل خياطين يتعاملون مع لبنان والعراق وايران وربما ايضا فلسطين، باعتبارها قطعة نسيج واحدة، تتطلب شكلا موحدا من التصميم والتطريز... او يتحول الوسطاء الى رؤساء اركان يقودون المواجهات ويديرون المفاوضات من غرف العمليات السرية المحصنة، التي خرج منها الحل العراقي الاسبوع الماضي، والتي سيخرج منها الحل اللبناني في الاسبوع المقبل على ابعد تقدير.
وكان اطرف هذه السيناريوهات ذلك الذي ظل يتردد على ألسنة غالبية المحللين السياسيين اللبنانيين، عن ان الاشقاء العراقيين لن يستعيدوا السلام الا بعد «طائف عراقي» ينهي الحرب والفتنة، ويعيد توزيع المصالح والمسؤوليات على قوميات العراق وطوائفه ومذاهبه، التي صارت مثل الطوائف والمذاهب اللبنانية، عبارة عن محميات طبيعية تخضع كل واحدة منها لرعاية دولة خارجية، كما صار زعماؤها وامراؤها مجرد منفذين لتعليمات القناصل العرب والاجانب وتوجيهاتهم... من دون اي اعتبار للاحتلال الاميركي ووجوده ودوره الذي لم يصل الى حد القبول بتوريث العراق لأي من جيرانه الذين لا يفوقونه قوة ولا اهمية، حتى في حالته الراهنة!
ثمة اوجه شبه بين الأزمتين، لكنها لا تسمح بأي حال من الاحوال بالاعتقاد انهما تنتميان الى قوس او هلال واحد. ولعل وجه الشبه الابرز هو ان في البلدين صراعا سنيا شيعيا على السلطة والنفوذ والهوية، تتدخل فيه القوى الخارجية. لكنه في الحالتين ليس من فعل فاعل، بل هو نتاج تراكم تاريخي وتدهور سياسي لدى ابناء المذهبين... فاقمه الاحتلال الاميركي الذي ساهم في تعطيل اي محاولة لبناء دولة مدنية مستقرة في العراق، لم تكن في الاصل على جدول اعماله، ولن تكون. ويسير نحوه اللبنانيون من غير كوابح، وحتى من دون حوافز خارجية.
الفوارق متعددة بين الازمتين، لعل اهمها ان العراقيين سيثبتون انهم اشد وعيا ونضجا من اشقائهم اللبنانيين، الذين ادمنوا على استدعاء الخارج والاستنجاد به من غير تفكير: التسوية الاخيرة للازمة الحكومية في العراق، هي مقدمة لمسار سياسي معقد وطويل سيتخلله الكثير من الدماء والدموع، لكنه سيصل في نهاية المطاف الى تلك الدولة الطبيعية التي تظل حلما لبنانيا بعيد المنال، حتى لو توقفت جميع التدخلات الخارجية في لبنان.