Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

قتل فكرة الميزان - علي الامين (صدى البلد)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

ثمة شبه اجماع على ان المساعي جارية خارجيا لتفادي اي تداعيات محلية لصدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. واكثر من ذلك: يتم التأكيد، ومن اطراف لبنانية متعارضة، على أن الجهود السورية – السعودية تحقق تقدما في هذا المسار، رغم تفاوت الحماسة بين هذه الاطراف، حيال ما يمكن ان تصل اليه من نتائج تنعكس ايجابا على المشهد السياسي اللبناني. ويمكن الذهاب بعيدا، كما يحب البعض من الباحثين السياسيين، للقول ان ثمة مشاورات قائمة في الدائرة الاشمل، تصل الى تأكيد وجود تفاهم اميركي – ايراني، بمتابعة تركية، يجري تثبيته على قاعدة ايجاد مظلة للستاتيكو اللبناني القائم، اي بمعنى ان لا يشكل القرار الظني شرارة لمواجهة، سواء في الداخل اللبناني، او على حدوده الجنوبية. هذا من دون ان يحمّل هؤلاء، هذا التفاهم، ابعادا تتجاوز تمديد الهدنة القائمة اقليميا ولمصالح دولية واقليمية ليس اكثر.
 
ستاتيكو شدد عليه المسؤولون الاميركيون من خلال مواقف معلنة لوزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، ونائبها جيفري فيلتمان، في اكثر من مناسبة. وتبعهما رئيس وزراء تركيا في ما عبرت عنه زيارته الاخيرة الى لبنان، وما خلصت اليه من نتائج تتناغم مع حقيقة الحفاظ على التوازن القائم. وفي التعديل الذي احدثته السياسة السورية في سلوكها اتجاه لبنان حين خفّفت من حدة المواجهة مع فريق 14 اذار ورئيس الحكومة سعد الحريري وانخرطت اكثر في موقع اقل انحيازا عما كان عليه قبل شهرين.

كما اظهرت الحركة الدبلوماسية الايرانية في بيروت، واستقبال القيادة الايرانية للرئيس سعد الحريري، توجها واضحا لجهة السعي إلى ترميم ما شاب العلاقة مع الحريري والفريق الذي يمثله.

في موازاة هذه الجهود، المستمرة اقليميا واوروبيا واميركيا على ايقاع الاستعداد لاصدار القرار الظني، يبقى الباب موصدا حتى اليوم على حل واضح المعالم، ويستمر السجال الداخلي حول ايجاد تسوية قبل القرار الظني او بعده، في ظل مناخ سياسي يميل الى الانتظار ويستسلم الى مقولة العجز عن اختراق الازمة بفعل لبناني. ولعل رئيس الجمهورية ميشال سليمان، في مبادرته التشاورية مع كل المشاركين بطاولة الحوار والتي بدأها امس وبلقاءات فردية، يسهم الى حد ما في الاضاءة على الجهد الداخلي المطلوب لانجاز التسوية، ويرمي حجرا في مستنقع الحوار الراكد.

ورغم الطمأنينة النسبية التي سرت بين اللبنانيين حيال تراجع التهديد بالقيام بأعمال عسكرية وامنية دراماتيكية تغير المعادلة السياسية القائمة، فإن ذلك لم ينعكس تعزيزا لدور القوى الأمنية والعسكرية باعتبارها قوة كابحة لأي محاولات عنفية، تنفذ من هذا الانقسام اللبناني. ولا يبدي، المولجون بقيادة هذه القطاعات العسكرية والامنية، ثقة بالقيادات السياسية التي لم تزل تفرض مصالحها السياسية والطائفية لتحجيم دور هذه المؤسسات وبالتالي المس بالأمن، من خلال المداخلات السياسية التي لم تتوقف بالعبث بهيبة هذه المؤسسات ودورها الوطني. ويشير بعض القيمين على هذه المؤسسات الى ان العديد من الذين يتم القبض عليهم على خلفية العبث بالأمن يتم اطلاقهم بعد ايام قليلة بسبب هذه المداخلات التي لا تقتصر على طرف دون آخر.

ويدرج هؤلاء قضية الشيخ عمر بكري كمثال يظهر حجم التسييس، ليس في عملية الافراج عنه، بل منذ ان صدر حكم السجن المؤبد بحقه، مرورا بعدم القاء القبض عليه، وصولا الى القبض عليه ثم الافراج عنه اخيرا بكفالة... في كل هذه المراحل كانت التدخلات السياسية الثابت الوحيد وان تنوع المتداخلون بين مرحلة وأخرى... وهذا غيض من فيض ومثال لمئات من الحالات المشابهة.

في ظل هذا المناخ، الذي يجعل من الاستقرار الامني رهن الحسابات السياسية وتداخلاتها، تتراجع مقولة العدالة ليترسخ في الشارع غياب الثقة بتحقيقها. ولعل لبنان، وهو يشهد على وأد ما يطمح اليه من عدالة في وجوه الحياة المختلفة، يستسلم لانتماءاته العصبية وقوانينها التي تكفل تغييب هذا المفهوم العملي وليس القيَمي فحسب، لحساب الانخراط في سياسات الالغاء التي تجعل من مقولة العدالة شأنا ثانويا بل متماد في الغياب.

هكذا تستحيل الجرائم السياسية والمالية والطائفية والوطنية أحداثا تغيب وقائعها الحقيقية، وحتى اسبابها الفعلية، بسبب هذا النزوع السياسي والاجتماعي لطيها على زغل. هكذا، شأن كل الاغتيالات وجرائم الخطف السياسي والطائفي في لبنان، بقيت الجرائم غامضة لان العدالة غائبة.

فكرة العدالة هي ما يتمّ الهجوم عليه في لبنان، ليس لقتل المحكمة الدولية، بل لقتل الميزان نفسه.

← Back to Selected Articles