Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

عصر التقسيم الأميركي للخرائط البريطانية الكريمة - جهاد الزين (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

رفض أحد الديبلوماسيين الاميركيين، وهو مسؤول عن مكتب متخصص بمتابعة شؤون احدى الدول المهمة في المنطقة، خلال حواري معه الشهر المنصرم في واشنطن، رفض المقارنة بين مستقبل كل من العراق والسودان عندما قلت له هل هيأت الولايات المتحدة نفسها كدولة عظمى للتعامل مع دول آخذة بالتفكك في منطقتنا؟ سألني أي دول؟ قلت الآن السودان يتخطى التفكك ويدخل في عملية تقسيم منظمة... وغدا العراق... حيث اقليم كردستان "جاهز" للانفصال أكثر فأكثر...
بدا كما لو أنه انتفض قائلا إنه لا يرى مجالا للمقارنة بين العراق والسودان. "فالعراق" من وجهة نظره "ينتظره مستقبل كبير ومزدهر بسبب الامكانات والثروات التي يتمتع بها والتي تؤهله للتقدم في عملية التنمية، فجميع الخبراء يؤكدون على دخول القطاع النفطي في العراق مرحلة استراتيجية في تطوره خصوصا بعد النجاح الذي تحقق في وضع الحكومة السابقة عقود انتاج أساسية مع الشركات من المنتظر أن تستكملها الحكومة الجديدة".
قد تكون صورة القطاع النفطي العراقي، بإجماع تقريبا كل الصحف "الاقتصادية" الرئيسية في العالم وتحديدا "الايكونومست" و"الفايننشال تايمز" و"الوول ستريت جورنال" صورة واعدة جدا منذ بدأ توقيع سلة كبيرة من العقود بين وزارة النفط العراقية وعدد من الشركات الاجنبية الرئيسية في العامين المنصرمين... ولكن صورة العراق نفسه، كدولة ودور، تبدو كئيبة أو على الاقل محاطة بشكوك هائلة اذا نُظر اليها ضمن "المزاج" السياسي والشعبي الراهن في الشرق الاوسط.
أما التقديرات الاميركية المتناقضة مع "مزاج" المنطقة، أي تفاؤل واشنطن المعاكس لتشاؤم هذا المزاج العربي والشرق أوسطي فلا يقتصر على العراق... وإنما يشمل ايضا مسار التسوية العربية – الاسرائيلية. فالانسداد المتواصل في عملية السلام يقابله انخراط أميركي ميداني ضمن "برنامج الشراكة" مع السلطة الوطنية الفلسطينية يجعل مشروع "الدولة الفلسطينية" على غموض حدودها مع اسرائيل ومستقبل القدس، مشروعا أميركيا من الناحية العملية تبعا لما يمكن عليه قياس الوضع الميداني في الضفة الغربية. فالآن تبدو الضفة الغربية سياسيا واداريا وأمنيا تحت نوع من "الانتداب الاميركي" يحاول ان يهيىء فرص انشاء "دولة فلسطينية" في اللحظة المناسبة للانتهاء من الاحتلال الاسرائيلي. وهذا ليس أمرا سلبيا، بل على العكس، لو كان الافق السياسي للمفاوضات وبالتالي للحل غير مغلق استراتيجيا بفعل السياسة الاسرائيلية المتواصلة.
ومع أن خطاب الديبلوماسية الاميركية لا يربط، ولا يرغب أن يربط بين التحول الجاري في السودان وبين محيطه العربي الى الشمال (مصر والمشرق) والى الشرق (الخليج)، لأن الربط يؤدي الى اثارة هواجس واعتراضات لا تخدم التوجه الاميركي، فان ما يحدث في السودان منذ فترة ولا سيما في الاشهر الاخيرة، يكشف عن أن واشنطن تدير تماما وبتصميم عملية تقسيم السودان. (ويجب ان لا يكون لدينا أي وهم بأن نتائج الاستفتاء محسومة سلفا لصالح التقسيم أي ولادة دولة في جنوب السودان).
هكذا تجد مصر نفسها تستعد لانفصال جنوب السودان باعتباره أمرا واقعا، فتسود لديها، كما لدى العقيد القذافي الجار الغربي لشمال السودان، سياسة اعتراف واقعية مقابلة تحت عنوان تحسين العلاقات مع الجار الجديد المولود... فيما المملكة العربية السعودية تواصل سياسة الصمت وحتى الابتعاد عن "المحافل" الديبلوماسية المواكبة للحدث الانفصالي. هذا مع العلم ان هذا التقسيم ربما للمرة الاولى في التاريخ الحديث للمملكة يضعها أمام تحولات دولية – اقليمية في خرائط المنطقة من شأنها ان تهدد – نظريا على الاقل – وحدة المملكة اذا كان قد بدأ – أكثر من اللعب – تنفيذ تغييرات لا سابقة لها في خرائط المنطقة. بهذا المعنى فان العراق، هو في دائرة حراك الخطر الانفصالي المباشر، بينما السعودية – وربما دول أخرى – في دائرة الخطر غير المباشر، بعد تقسيم السودان الذي يقع مقابلها على الضفة الغربية للبحر الأحمر.
مع ادارة واشنطن المباشرة لعملية تقسيم السودان، وهو – أي السودان – احدى أبرز الخرائط السياسية التي وضعتها الديبلوماسية البريطانية في عملية طويلة بين القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، يكون قد بدأ الاميركيون للمرة الاولى في تاريخهم في المنطقة العربية وفي افريقيا بتغيير جوهري في الخرائط السياسية البريطانية.
الأميركيون مع عملية جنوب السودان، لا يرثون فقط مواقع النفوذ البريطانية – أو الفرنسية – كما كانوا يفعلون بعد الحرب العالمية الثانية في مصر ولبنان والعراق وليبيا... كان ذلك في منتصف القرن العشرين الذي تخلى فيه عبد الناصر عام 1954 عن السيادة المصرية على السودان الموروثة عن العهد الملكي مقابل صفقة استقلال السودان بعد عامين، 1956؟ هل كان هذا خطأ مستقبليا أم صوابا مرحليا يومها؟ الموضوع أصبح بيد المؤرخين.
أما في بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فالاميركيون الذين يشرفون على تغيير الخارطة السودانية، قبل ذلك نقلوا العراق الى تركيبة مختلفة للمرة الاولى منذ تأسيس الدولة العراقية (البريطانية) عام 1921... والتي تشهد عمليا منذ العام 1991 ولادة نواة "دولة" مستقلة عن بغداد في كردستان، وبعد العام 2003 ولادة دولة كردية فيدرالية حتى الآن لديها مقومات "استقلال" واقعي. وهم ايضا يحاولون في داخل منطقة الانتداب البريطاني على فلسطين أن "ينقذوا" بدعم ما تبقى من الحركة الوطنية الفلسطينية "قطعة" من الضفة الغربية لاقامة دولة فلسطينية عليها.
إذن... حيثما كان من جبال كردستان، الى أعالي النيل، مرورا بجبال الضفة الغربية ينشغل الاميركيون برسم خرائط جديدة على "أنقاض" الخرائط البريطانية. هذه مرحلة جديدة نوعيا لم يكن من مجال يفتح أمامها لولا التحول النوعي بسقوط الاتحاد السوفياتي الذي كان يخلق واقعا في العلاقات الدولية يمنع اللعب بخرائط الدول وخصوصا في أفريقيا التي بدورها تنفتح – في العصر الاميركي البادىء في التسعينات من القرن المنصرم – على احتمالات انقسامات اتنية وسياسية وجغرافية خطرة جدا بعد التقسيم السوداني.
لقد تمت عملية تقسيم السودان في سياق سياسي – ايديولوجي – اخلاقي جرى فيه نزع شرعية السلطة المركزية تدريجيا في عملية ساهمت فيها المؤسسات الدولية بدءا من دارفور. هكذا يجد الرئيس عمر البشير نفسه وقد عاد الى الاستفادة من ثمار الانصياع للارادة الدولية... فاذا بالرئيس "الخارج عن الشرعية الدولية المسؤول عن المجازر في دارفور" يتهيأ ليعود بلسان المسؤولين الاميركيين وبشكل تدريجي "رئيسا متعاونا وبناء" للسودان!
كل هذه الصورة... لن يستقيم لون أساسي من ألوانها بدون الاشارة الى الفشل التاريخي للنخب السودانية منذ الاستقلال عام 1956 في اضاعة السودان الموحد والمزدهر، مثلما فعلت النخبة العراقية قبل عام 1958 وبصورة خاصة بعد عام 1958، التحول الذي أدى الى تدمير كل ما هو ايجابي وحديث وديموقراطي في العراق. عام 1960، كما يقول شهود تلك الحقبة، كانت جامعة الخرطوم جامعة صغيرة واعدة ومتقدمة... مثلما كانت جامعة بغداد في الخمسينات. كل هذا انهار: الجامعة تنهار مع الدولة... مستوى ووحدة (لا أريد الآن أن أقحم التجربة اللبنانية)... ومعها المجتمع بصورة من الصور بل بأكثر من صورة.
إلا أنه داخل هذا السياق التاريخي لمسؤولية النخبة السودانية عن انهيار دولة الوحدة التي منحنا إياها الاستعمار البريطاني في السودان – وكم تبين انها دولة ضخمة وكريمة (Generous) – لا بد من تسجيل المسؤولية الخاصة في العقد ونصف العقد المنصرمين للنخبة الاصولية الاسلامية الحاكمة... فلقد أثبت هذا الفكر – بالملموس – فشله الذريع ومساهمته عبر ادارة دينية ضيقة لبلد متنوع أنه ساهم في تسريع ديناميات الانفصال... وبالتالي اسقاط السودان في فخ الانفصال...
… وبعكس عقدة "سايكس بيكو"... بل رغما عنها... لقد تبين ان الاستعمار أعطانا دولا شاسعة... فهل نفوّت فرصها واحدة بعد الأخرى؟ حتى الفرصة الايجابية في تغيير الخرائط التي ظهرت مع توحيد اليمن عام 1990 ودعمها الأميركيون تبدو الآن مهددة.
يحمي النفط مؤقتا وحدة العراق؟... بينما أدى النفط الى تسريع تقسيم السودان... هنا وهناك وهنالك... لنراقب كيف تطلق الشرعية الدولية بالاستناد الى عجز وتقصير النخب السياسية المحلية... ديناميكيات التقسيم والوحدة؟

← Back to Selected Articles