نموذج أفريقي - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
الثورة الليبية هي حتى الآن أقرب إلى النماذج الأفريقية منها إلى الأمثلة العربية، ومقارنتها بالثورة التونسية أو حتى المصرية التي استوحاهما الشعب الليبي ويعمل على الإفادة منهما، غير واقعية وغير دقيقة، وتؤدي إلى استنتاجات خاطئة تماماً، بينها أن النصر وشيك أو أن سقوط العقيد معمر القذافي قاب قوسين أو أدنى.
ولعل ردود الفعل ومعها النكات المتداولة في تونس والقاهرة حول الثورة الليبية، وبينها أن الأشقاء التوانسة والمصريين باتوا يفكرون في إقامة تماثيل لزعيميهما السابقين زين العابدين بن علي وحسني مبارك وفي تنظيم تظاهرات مليونية لشكرهما على التنحي عن السلطة بأقل قدر ممكن من العنف، تكفي للبرهان على أن العالم كله يعتبر نفسه أمام حالة فريدة، لا تنطبق عليها سوى تجارب التغيير الأفريقية التي سبقتها مذابح كبرى، ولحقتها حروب أهلية لا تنتهي، وجعلت من القارة السمراء مجموعة من الدول الفاشلة والشعوب المعذبة والثروات التي لا تنضب.. إلا بإرادة الشركات المتعددة الجنسيات التي تسطو عليها حالياً.
والتاريخ الأفريقي حافل بالنماذج التي يمكن إسقاطها على التجربة الليبية، المنقطعة حتى عن جوارها التونسي والمصري، لأسباب تتعلق بمستوى الاجتماع في البلدين العربيين المحيطين بليبيا، والذي يمكن في نهاية المطاف أن يشكل مانعاً من دون ان تنتهي الثورة الليبية إلى عمليات على غرار ما جرى في رواندا وبوروندي، بين التوتسي والهوتو، أو في نيجيريا أو السنغال بين المسلمين والمسيحيين، أو في أقصى الجنوب الأفريقي حيث لا تزال تدور حروب وصراعات على مقربة من مناجم الألماس موروثة منذ قيام الثورة الشيوعية ولم تصل إليها أخبار تفكك الاتحاد السوفياتي، ولا توسع الولايات المتحدة وشركاتها.
وعلى الرغم من أن القذافي نفسه وعد الليبيين بمصير يشبه الصومال، لكنه كالعادة أخطأ التقدير والتوصيف، فالنفط الليبي الذي يعتبر من أغلى الأنواع وأخفها، يمكن أن يصبح سبباً جوهرياً لديمومة الثورة الليبية وتحولها الى حرب أهلية مفتوحة، تشكل الآبار النفطية الموجودة في الوسط والجنوب خط تماس دائماً تتولى الإشراف عليه وضمانه الشركات النفطية الكبرى، التي يمكن أن تقرر إن مصلحتها تقضي بتزويد طرفي الثورة في الشرق والغرب بالسلاح والمال، على نحو ما يجري في أنغولا أو الكونغو مثلاً.
ردود الفعل الدولية على ما يجري في ليبيا لا تزال قاصرة عن وقف الفظائع التي يتعرض لها الليبيون، ولا توحي بأن الرئيس الأميركي، ذا الجذور الأفريقية باراك أوباما، يشعر بهول المأساة، وبإلحاح الحاجة إلى التدخل على نحو ما فعل في السودان مثلاً، حيث ارتقت أزمته الأخيرة الى مستوى الأولوية السياسية والأخلاقية القصوى بالنسبة الى الإدارة وإلى الجمهور الأميركي الأسود، ما أدى إلى رعاية يومية تفصيلية مباشرة لعملية التقسيم الجذرية وقيام دولة الجنوب السوداني التي تعتبر مكسباً أميركياً باهراً.
لن يتكرر السيناريو التونسي أو المصري في ليبيا، لأسباب لا تقتصر على شخصية القذافي الغريبة، أو على طبيعة الشعب الليبي الخاصة. ثمة كتاب تعليمات أفريقي يعود إليه الجميع هذه الأيام.