"تويت مي" - علي بردى (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لو كنت مكان العقيد معمر القذافي، لعفت كل "الأمجاد" التي صنعتها لنفسي. تأملت في ماضي الثورة. تفرجت على حاضرها. لكنت طلبت جهاز كومبيوتر حديثاً وجهاز هاتف خليوياً من الجيل الرابع. سألت من هو أعرف مني بطريقة ضغط أزرارها. دخلت على شبكة الإنترنت. شاهدت كم هو واقعي هذا العالم الإفتراضي. تصفحته. انشأت حسابات في البريد الألكتروني وفي شبكات التواصل الإجتماعي. لكنت دخلت على مواقع "يوتيوب" و"فايسبوك" و"تويتر" وبدأت حياة جديدة.
لا شك في أن الرئيسين المخلوعين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك يشعران بالضجر الآن. هرما في حياة مديدة على أبراج عاجية. لا شرفات فيها على أوجاع التونسيين أو المصريين وطموحاتهم. لا مكان فيها للأمل. كانت أمام كل منهما لوائح طويلة تنتظر اللقاءات، وجداول أعمال لا تنتهي، واتصالات للإطمئنان الى نظرائهما من الزعماء العرب، رؤساء وملوكا وأمراء وشيوخا، الى المحظيات والجواري. لا وقت طويلاً لرؤساء الوزراء، ولا متسع منه للوزراء والنواب. لم يعتد أي منهما الملل في قصر أو عزبة، أو تغير عوادي الزمن. الشعوب، إذا وجدت، فلتبق نائمة الى الأبد. تستيقظ الرعايا فقط للصلوات لهؤلاء "الآلهة". مهمة الشعوب هي التصفيق والرضا، والإصطفاف في جبهات الحرب والنضال، والصمود والتصدي، والسلم والإستسلام. ليس في قاموس أي منهما صحوة للتونسيين أو المصريين أو الليبيين أو سائر العرب، وربما أبعد.
لو كنت مكان القذافي، لروحت عنهما قليلاً. أهديت اليهما ما طلبته لنفسي: جهاز كومبيوتر حديثاً وجهاز هاتف خليوياً من الجيل الرابع. نصحتهما بدخول العالم الجديد. لكنت دعوتهما الى إضافتي الى لوائح الأصدقاء. لا بأس، أضفني أيها القائد العظيم، يا جلالة الملك، يا صاحب السمو، يا سيادة الرئيس. أيتها الفخامة والمعالي. فرجوا عنكم هذه الهموم الرازحة على صدوركم بسبب غضبة الشعوب. وتفرجوا على الجماهير من الملايين التي تهدر عبر هذا الأثير.
لو كنت مكان القذافي، لخففت على الليبيين هذه الأنهار من الدماء التي تسال اليوم ممن وصفتهم بأنهم "كلاب" و"جرذان" و"جراثيم". اعتذرت. قلت لهم: نعم أنا قتلت الآلاف. أنا أخفيت المئات. أنا سحقت الملايين. أنا سرقت. أنا نهبت. أنا "الثور الهائج" ماذا أفعل أمام هذا المد الشعبي الهائج؟ جلست أمام شاشة الكومبيوتر. كتبت مذكراتي عن زمن الظلام. كشفت أسراري وحساباتي المصرفية وممارساتي القاتلة.
لا مكان بعد في هذا العصر لكل آلات الخوف التي صنعناها من أجل ترهيب الناس باجهزة المخابرات والسجون، ومن شراء الجماهير التي اشتريناها بأموال النفط. لا مكان لشراء الصحف والمجلات والتلفزيونات والإذاعات. ما عاد في الإمكان اسكات كل الناس من بيروت الى مسقط، ومن بغداد الى صنعاء، ومن القاهرة الى دمشق. تجنبت هذه المآسي والأحزان. رجوت شعبي ألا يقتلني وألا يدفعني الى الإنتحار مع أسرتي. طلبت من المجتمع الدولي أن يعفيني من الإحضار مخفوراً بالأصفاد الى المحكمة الجنائية الدولية ليجلسني على كراسي الإعتراف بجرائمي ضد الإنسانية. لا تدعوني اختفي كرفيق دربي صدام حسين. لا تدفعوني الى حفرة كحفرته. لا تعلقوني على مشنقة كمشنقته. ولا تنشروا سجلات من قبضوا من أموالي، ونالوا جوائزي ودروعي وأوسمتي وتبختروا فيها. ولا سجلات من حملوا أسلحتي ومتفجراتي وسمومي. تمهلوا قليلاً يا من سعوا الى خيمتي، قبل أن تقفزوا من سفينتي وتلعنوني.
لو كنت أياً من الطغاة العرب، لتركت عوالمهم المخيفة. وخاطبتهم واحداً تلو الآخر عبر الأثير الجديد من المحيط الهادر الى الخليج الثائر: "أضفْني"، "صادقني"، "تويت مي" و"اتْبعني" لئلا تلقى مصيري!