أنظر إلى المرآة... أيها الرئيس برّي - علي الأمين (صدى البلد)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
بعدما تأكد الرئيس نبيه بري من ان قرار استبعاد الرئيس سعد الحريري عن رئاسة الحكومة هو قرار استراتيجي اتخذته القيادة السورية وحزب الله، اعتمد بشكل واضح سياسة خطاب القطيعة والتصعيد، متقدما على حلفائه في الهجوم السياسي والكلامي على الحريري وفريق 14 اذار عموما.
وبعدما كان الرئيس بري، الباحث عن دور ضائع، يحاول بلورته من خلال عدم قطع شعرة معاوية التي تصله بالفريق الخصم خلال السنوات السابقة، لم يجد في جعبته اليوم سوى الانتقال الى يسار حزب الله، وهو انتقال يعكس في جوهره مزيدا من انكفاء دوره السياسي، حتى ليبدو في بعض المواقف الاخيرة كما لو أنّه على وشك منافسة خطاب الوزير السابق وئام وهاب في استخدام النعوت والاوصاف في مهاجمة فريق "14 الشهر".
ومن خلال متابعة سريعة لمواقف نوابه وبعض وزرائه في الحكومة، خلال الاشهر القليلة الماضية، يمكن ملاحظة ان المشترك بينها هو محاولة ملء الفراغ السياسي بمواقف بدت اكثر تشددا اذا ما قيست بمواقف المسؤولين في حزب الله حيال القضايا الخلافية مع 14 آذار، وان ظلت في سباق مرهق مع مواقف العماد ميشال عون ونواب التيار الوطني الحر. ذلك ان الرئيس نبيه بري لا يبدو مستعدا للخوض كثيرا في مرحلة ما بعد الطائف وما قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في ما حملته من سياسسات مالية واقتصادية، علما ان بري قال في 6 شباط الماضي: "سبعة وعشرون عاما ونحن نريد ان يكون مالنا ومالهم لكل لبنان وهم لا زالوا يعتبرون ان الكل في سبيل البعض. سبعة وعشرون عاما ونحن نرى ونسكت، لعلهم يعودون الى الطائف وينتبهون الى ان سياستهم المالية حولت لبنان الى جنة ديون علينا وعلى اولادنا واحفادنا".
فهل كان الرئيس بري خلال هذه الأعوام الـ27 شاهد زور؟ علما ان المشترك بين الحكومات المتعاقبة منذ ذلك الحين هو وجود الرئيس بري فيها، او من يمثله، فيما بقية السياسيين والاحزاب خرجوا في فترات عدة من الحكومة، ومنهم من دخلها اخيرا، ومنهم من عاد لاحقا.
لكن رغم ذلك فان الرئيس بري يؤكد انه بريء من كل الخطايا براءة الذئب من دم يوسف. وبالتالي فإنّ ما ينتظره اللبنانيون ان يقول الرئيس بري ماذا رأى ولماذا سكت، وفي سبيل ماذا ومن اجل من. فسكوت المسؤول شراكة في الجرم، هذا اذا لم يكن ضالعا فيه. بالتأكيد يتوافق اللبنانيون عموما مع الرئيس بري في النظر الى ما ارتكب في حق لبنان خلال المرحلة التي كان فيها احد اركان "الترويكا". لكن ما لا يستطيع المواطن العادي القبول به هو محاولة استغبائه ومصادرة عقله وذاكرته الى الحد الذي ينتقد فيه الرئيس نبيه بري فيه العقيد معمر القذافي والرئيس سعد الحريري على تمسكهما بالسلطة وعدم الاقرار بحق تداولها (!)، وهجومه اللاذع على "التوريث والتمسك بالسلطة ونموذج العائلة الحاكمة".
فاستغلال الموقع الرسمي لبناء ممالك عائلية هي آفة ليبية ومصرية وتونسية، وهي كما يعلم رئيس حركة المحرومين، ليست حكرا على هؤلاء، انها امام عينيه. أمّا معضلتا الفساد وتسيب المال العام فهما بالتأكيد قضيتان وطنيتان بامتياز، لكنهما لا يمكن ان تبقيا رهن الاتهامات السياسية المتبادلة. لعل قضية البنك اللبناني الكندي، التي انتهت الى بيع موجوداته وحماية موظفيه، تعكس وجها آخر للفساد الذي لا يتصل بطبيعة الحال بقضية المقاومة. بل ثمة اكثر من عنوان ينطوي على اتهامات تصل الى كشف شبكة واسعة من المتورطين في ملف تبييض الاموال، تتجاوز ما اثير في الاعلام حول حزب الله.
اما ملف الدواء المزور وطب الاعشاب، الذي عرض له برنامج "كلام الناس" قبل يومين، فقد أظهر بشكل لائق ولماح حجم اختراق هذه المافيا الوزارات، خصوصا وزارة الصحة التي نجح وزيرها المزمن الدكتور محمد جواد خليفة في رسم صورة "مثالية" لها ولنفسه أمام اللبنانيين. وفي الحلقة المذكورة سمع اللبنانيون للمرة المئة فضائح موثقة وتبريرات لم تستطع اخفاء المخالفات ولو على حساب صحة اللبنانيين.
الرئيس برّي، فيما يغرق سياسيا وشعبيا في عباءة حزب الله، ويغرق بعض أعضاء فريقه في اتهامات بالفساد، كان آخرها ملفّ الأعشاب وما فاح من رائحة عن احتماء أحد أبرز عمالقة الأعشاب اللبنانيين بأحد أبرز العائلات السياسية، وفيما يغرق "وسطيا" في هجوم لاذع وغير ذي جدوى على الرئيس الحريري، يحاول مهاجمة "التمسّك بالسلطة". قد يكون مفيدا النظر إلى المرآة أثناء حديث كهذا.