مؤشرات إضافية تنذر بتوسع الضائقة الاقتصادية والمالية وتحولها إلى أزمة اجتماعية - عدنان الحاج (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
بينما ينشغل المسؤولون في لبنان في تصعيد الخلافات السياسية، بتكثيف نقاط الخلاف، في غياب الحوار أو الحد الادنى منه، وتزايد الانقسامات حول شكل الحكومة وتركيبتها الجديدة وصورتها أمام المجتمع الدولي والعربي، في ظل نزاع الحصص والحقائب، تبرز التحديات المعيشية المستجدة، التي بدأت تتحول الى أزمة اجتماعية، نتيجة التطورات الامنية والسياسية في المنطقة والعالم، والتي انعكست ارتفاعات في أسعار السلع والخدمات بشكل كبير، وتنذر بارتفاعات اكبر في غياب عناصر الدولة القادرة على مواجهة هذه التحديات التي تنذر بأزمات مقبلة، قد تعجز اية حكومة عن مواجهتها، حتى ولو كانت موحدة ومتفقة على خطة وتوجهات واحدة.
تجدر الاشارة هنا الى ان السبب الاساسي في موجة التضخم المقبلة، في ظل تراجع القدرة الشرائية لأصحاب الدخل المحدود، هو تفاعل أزمات المنطقة، من ليبيا الى اليمن والبحرين، ومن ثم كارثة اليابان الطبيعية، التي كانت أضرارها الاقتصادية فوق التقدير، بالنسبة لكلفة الدمار والاحتياجات الانسانية والغذائية، والعودة الى الاعتماد على النفط بدل المفاعلات النووية.
هذا الكلام ليس من باب التهويل، وليس من باب التكهنات، بل من باب قراءة التطورات الحاصلة فعلاً، انطلاقاً من الوقائع الآتية، ولو من باب التعداد فقط، على اعتبار ان كل بند يمكن ان يكون سبباً لأزمة اجتماعية ومعيشية بمفرده:
1- هناك ارتفاعات أسعار السلع الاستهلاكية والغذائية الاستراتيجية المقبلة، وهي الى تزايد، من المحروقات، التي تواصل ارتفاعها ولا سلطة للدولة اللبنانية عليها في حال وجودها، فكيف في حال غيابها؟ هذه الزيادات الحالية لبرميل النفط وأسعار المشتقات في ظل أحداث المنطقة، والازمة الليبية وكارثة اليابان، ستزيد الطلب وسيكون لبنان من بين الدول المتضررة من التضخم، كونه يستورد أكثر من 80 في المئة من احتياجاته. هذا الغلاء سيصيب أصحاب الدخل المحدود في اسعار البنزين والمازوت وسيأكل الخفض الاستثنائي الذي تقرر بمعدل 5 آلاف ليرة على صفيحة البنزين، اذا لم تعد الاسعار الى مستويات ما قبل الخفض أو أكثر قليلاً. في الوقائع النفطية، تظهر من خلال ارتفاع أسعار النفط الخام والمشتقات النفطية، وهو أمر يسبب الارباك اولا، بالنسبة لمؤسسة كهرباء لبنان، التي اضطرت الى إعادة النظر بأرقام موازنتها للعام الحالي، اكثر من مرة نتيجة التغييرات الحاصلة في اسعار برميل النفط والمشتقات النفطية، لا سيما المازوت الذي وصل سعر الطن منه حالياً الى ألف دولار، في حين وصل سعر الفيول اويل الى حوالى 670 دولاراً للطن، وهو سعر قياسي في الارتفاع نتيجة الطلب الخارجي الكبير، وتوقيف المفاعلات النووية في اليابان والعودة الى استعمال النفط لتوليد الكهرباء، كذلك نتيجة قرار المانيا بوقف المفاعل، والعودة الى استخدامات النفط لإنتاج الطاقة، وهو أمر سيزيد الطلب وسيرفع الاسعار، لا سيما ان اليابان بدأت تلجأ الى الاسواق الاميركية، إضافة الى دول الخليج. هذا الواقع سيجعل مؤسسة كهرباء تضع تقديراتها للميزانية والعجز على اساس سعر ما بين 90 و100 دولار لبرميل النفط، بعدما كانت وضعت موازنتها الاخيرة على أساس سعر 75 دولاراً للبرميل، ثم عدلته الى 85 دولاراً وهو أمر لن يعكس حقيقة العجز الذي كان مقدراً بحوالى 2300 مليار ليرة، حيث يقدر ان ترتفع ارقام موازنة كهرباء لبنان الى حوالى 2700 مليار ليرة، أي حوالى 1,8 مليار دولار. هذا من دون أكلاف زيادة الانتاج والاستثمار لتحسين الكهرباء، التي لن تقل كلفتها السنوية عن المليار دولار، مهما كانت الخطة والتوجهات التي يمكن اعتمادها، بعيداً عن الارتجال والشعارات الاعلامية والقدرات العالية لبعض الوزارات والادارات. وقد تكون الكلفة اكبر اذا ما استمر الغاز المصري بالتوقف عن الوصول الى معمل دير عمار، على اعتبار ان كميات الغاز المصري تشغل مجموعة واحدة في معمل في البداوي، مما كان يوفر بعض الكلفة. اشارة اخرى ايضاً الى ان لبنان بستورد بموجب اتفاقيات من الكويت والجزائر ما بين 450 الفاً الى 650 الف طن من المازوت والفيول من كل بلد سنوياً، وهو طلب زيادة هذه الكمية مؤخراً لتلبية الاحتياجات، مع الاشارة الى ان معامل الزوق والجية تعمل على الفيول اويل وتستهلك حوالى 1,4 مليون طن سنوياً، اضافة الى حوالى 900 الف الى مليون طن من المازوت.
2- الانعكاس الآخر وغير الظاهر ان سعر طن البنزين سينعكس مباشرة، وهو أمر بديهي، على اسعار الانتاج وكلفته المحلية اضافة الى السلع المستوردة. اما الانعكاسات الكبرى على اسعار الكهرباء في شقيها الخاص والعام فهي لن تكون أقل اهمية، وهو أمر ستظهره موازنة الحكومة الجديدة في حال ولادتها. فعجز الكهرباء سيكون اكبر من السنوات الماضية وسيتخطى 1,8 مليار دولار على سعر برميل نفط عند حدود المئة دولار. وطبيعي ان يصيب ذلك تعرفات المولدات الخاصة.
3- النقطة الاهم هي ارتفاعات اسعار الحبوب، من القمح الى العدس والارز والسكر وحتى البن والشاي، والمواد الاخرى التي يعتمد لبنان على استيرادها من الخارج الذي سيشهد موجة تضخم مماثلة بفعل الازمات المالية والاقتصادية. أما في الداخل فهناك الارتفاعات المستجدة موسمياً لأسعار الخضار واللحوم والمواد الاستهلاكية الضرورية، لا سيما الغذائية منها، وهو أمر يتحول قضية شكاوى بين مناسبة واخرى حيث تزاد الاعباء والكلفة المعيشية.
4- الى ذلك تضاف نقطة ضعف كبيرة في لبنان، وهي عجز الخزينة اللبنانية من جهة، والقطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من جهة ثانية عن زيادة الاجور والمداخيل للعمال والموظفين، وهذا يعني استحالة امكانية زيادة مداخيل الاسرة لتخطي موجة الغلاء والتضخم، ما يعني تحول الازمة المعيشية الى أزمة اجتماعية شاملة لا يمكن حلها إلا بخلق فرص العمل الفعلية لزيادة عدد العاملين في الاسرة ورفعه الى المعدلات المقبولة، أي واحد على ثلاثة أو أربعة في الاسرة الواحدة، وبدخل مقبول لا يقل عن ثلاثة أضعاف الحد الادنى للأجور. أما خلق فرص العمل فيحتاج الى الحد الادنى من الاستقرار الامني والسياسي في البلاد، وهو أمر مفقود وسط الانشقاق المتزايد وغياب الحد الادنى من مناخات الاستثمار المقبولة للتوظيف وخلق فرص العمل.
5- اشارة اخرى اكثر أهمية من سابقاتها، وهي انتقال الشكوى من المستهلك الى القطاع التجاري الذي يشكو انعدام التسويق، على الرغم من التنزيلات في الاسعار في كل الاسواق، وهذا مؤشر على تراجع الاستهلاك والزبائن في الداخل، إضافة الى غياب الزوار من دول الخليج والدول المجاورة الذين يشكلون عادة جزءاً من الاستهلاك أو حجم الاستهلاك الداخلي. هذا في بيروت، أما في المناطق فالجمود مضاعف في كل المحافظات، من الجنوب الى الجبل والشمال مروراً بالبقاع، على اعتبار ان حركة العاصمة تبقى أفضل، على الرغم من جمودها الكبير ولكنها عموماً ضعيفة.
6- الخوف الاساسي، وهنا الطامة الكبرى، ان ينعكس الجمود زيادة في حل المشكلة الاقتصادية والتجارية على حساب تخفيف الكلفة الادارية، بصرف المزيد من العمال وارتفاع نسبة البطالة الفعلية الى أكثر من 20 في المئة في صفوف العاملين وليس الخارجين حديثاً الى سوق العمل، والذين تبلغ نسبة البطالة بينهم اكثر من 30 الى 35 في المئة، كانت تحل جزءاً منها الهجرة القسرية الى الدول المجاورة، لا سيما دول الخليج، وهي فرص تراجعت بفعل الازمات القائمة في المنطقة.
7- لهذه المعضلة الاجتماعية الاقتصادية المقبلة نتائج مالية على الاقتصاد والقطاع المالي، إضافة الى خزينة الدولة التي يفترض ان تؤمن تحسين التقديمات الاجتماعية بنفقات إضافية. فجمود الحركة يؤدي الى تراجع الايرادات، وهو بدأ يظهر فعلاً خلال الشهرين الاولين من السنة. أما الانعكاس الاخطر فهو على الديون التجارية المشكوك بتحصيلها، على اعتبار ان تراجع الحركة التجارية وارتفاع وتيرة الجمود يجعلان المؤسسات، الحديثة منها والقديمة، والتي استندت الى القروض المصرفية، ترفع صوتها مطالبة بالدعم الجديد نتيجة عدم قدرتها على الايفاء بمتوجباتها.
اشارة هنا الى ان الديون المشكوك بتحصيلها اليوم تشكل حوالى 3,7 مليارات دولار من أصل حوالى 34,9 مليار دولار التسليفات المصرفية للقطاع الخاص، وهي تشكل حوالى 10,6 في المئة من اجمالي التسليفات للقطاع الخاص، وحوالى 5,7 في المئة من إجمالي التسليفات للقطاعين العام والخاص، والبالغة حوالى 64,5 مليار دولار. تبقى اشارة اساسية وهي ان الديون المشكوك بتحصيلها في لبنان ما زالت نسبتها جيدة بالنسبة الى الدول التي تعاني أزمات اقتصادية واجتماعية ومديونيات عالية على مؤسساتها.
8- على الصعيد الخدماتي والتقديمات، فإن المعضلة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حيث المعاملات الصحية المتراكمة في فرع الضمان الصحي بعشرات الآلاف حتى لا نقول بمئات الآلاف وهي تعود لسنوات، ما يعني ذوبان قيمتها الشرائية. وفقدان هذه التقديمات معناه الاجتماعي تحولها بفعل التضخم وارتفاع الاسعار الى مساعدات مقطوعة. هذا بالاضافة الى الابتزاز اليومي الذي يتعرض له المرضى والمضمونون في الضمان ووزارة الصحة، إضافة الى معدلات الهدر الحاصلة في هذه القطاعات التي يفترض ان تشكل عناصر دعم وروافد للأجور، تخفف عن العامل وصاحب العمل وحتى عن الدولة. فغياب المؤسسات ايضاً هي من عناصر استدعاء تفاعل الازمة المعيشية، وهو أمر بات ظهوره قريباً جداً، ولو غيبت الشعارات المذهبية والطائفية الحركة المطلبية ودور النقابات العمالية الى حين.