من حُميّا إسقاط النظام إلى جرأة ابتكار المعنى - مشير عون (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
تنسلك العَلمانيّة الشبابيّة التي ينادي بها شابّات لبنان وشبّانه في سياق تاريخيّ يرقى إلى عصر النهضة العربيّة الأولى. وقد يصحّ فيها أن تُسند إلى نضال ثلاثة أجيال من أهل الفكر اللبنانيّين الذين تعاقبوا على الانتصار لمبدأ العَلمانيّة في المجتمع اللبنانيّ والمجتمعات العربيّة منذ أواخر التاسع عشر. ومع أنّ الحديث عن الأسماء في هذا السياق يعتريه، على وجه الضرورة، شيءٌ من التقصير، فإنّه من الصواب ذكر الجيل الأوّل مصحوباً بأسماء كتّاب من أمثال فرح أنطون وشبلي الشميّل ويعقوب صرّوف وبطرس البستاني، وذكر الجيل الثاني مقروناً بأسماء أدباء من طينة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، وذكر الجيل الثالث مُزداناً بأسماء فلاسفة ومفكّرين من معدن بولس الخوري وغريغوار حدّاد وعبدالله العلايلي وناصيف نصّار وعادل ضاهر ومهدي عامل وجورج قرم وأحمد بيضون. والأسماء كثيرة، ولكنّي لستُ الآن بسبيل التحرّي التاريخيّ الموضوعيّ فيها. أمّا الجيل الرابع، فهو الجيل الذي يتظاهر اليوم، وصفوفُه تحتشد فيها ضمّةٌ من المجاهدين العَلمانيّين التائقين إلى تغيير الذهنيّات والبنى في المجتمع اللبنانيّ.
والسؤال الأخطر الذي يتبادر إلى الأذهان هو البحث عن المضمون الفكريّ الذي يحمله الشبّان اللبنانيّون إلى حركة المطالبة بالعَلمانيّة. والمعلوم أنّ العَلمانيّة في المجتمعات الغربيّة عَلمانيّاتٌ شتّى. فالعَلمانيّة البريطانيّة هي غير العَلمانيّة الفرنسيّة، والعَلمانيّة الألمانيّة هي غير العَلمانيّة الأميركيّة، وعَلمانيّات البلدان الإسكندينافيّة في شمال أوروبّا هي غير عَلمانيّات البلدان الأوروبّيّة اللاتينيّة الثقافة في جنوب أوروبّا، ومنها على سبيل المثال إيطاليا وإسبانيا والبرتغال. أمّا مصائر العَلمانيّة في العالم الإسلاميّ، فهي تتباين بتباين السياقات الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة. فالعَلمانيّة الأندونيسيّة والماليزيّة هي غير العَلمانيّة التركيّة، وعَلمانيّة حزب البعث في سوريا والعراق القديم هي غير عَلمانيّة المغرب العربيّ، ولا سيّما في تونس.
ولا بدّ من القول، في هذا الموضع من التحليل، بأنّ اختلاف السياق التاريخيّ والاجتماعيّ والسياسيّ في تبرير تنوّع العَلمانيّات يلازمه اختلافٌ في استخراج المضامين الفكريّة التي تنطوي عليها هذه العَلمانيّات. ومن أخطر المضامين التي تستنهض مجتمعات العالم العربيّ، وخصوصاً المجتمع اللبنانيّ، تتّصل بتصوّر الارتباط بين مسائل الإيمان ومسائل الاجتماع في الأنظومة العَلمانيّة. وبالرغم من خصوصيّات هذه العَلمانيّات، فإنّه من الجائز الحديث عن تصوّرين أساسيّين تتمايز بموجب مقتضياتهما النماذجُ العَلمانيّة التاريخيّة. وفيما يميّز التصوّرُ الفكريّ الأوّل بين الدين والاجتماع في غير إقصاء لمضامين الاختبار الإيمانيّ من دائرة القرار التدبيريّ للمدينة الإنسانيّة، يفصل التصوّرُ الفكريّ الثاني بين الدين والاجتماع فيُقصي الاختبارَ الإيمانيّ من دائرة القرار التدبيريّ ويحصره في نطاق الإيثار الذاتيّ الفرديّ الشخصيّ المنعزل عن نشاط الإنسان الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ.
وليس يُخفى على أحد أنّ المجتمع اللبنانيّ المنتمي بطبيعته إلى الاجتماع الساميّ الشرقيّ العربيّ يميل تلقائيّاً إلى مبايعة التصوّر الفكريّ الأوّل. ولذلك كانت العَلمانيّة المنشودة في لبنان تبحث عن أفضل السبُل الخليقة بإعانة الإنسان اللبنانيّ على استثمار طاقات الإيمان في صياغة الأنظومة الاجتماعيّة والسياسيّة والقانونيّة التي يقتضيها التمييزُ بين الدين والاجتماع، وبين الدين والسياسة، وبين الدين والتشريع، وبين الدين والثقافة. وهذا من أشدّ متطلّبات النضال العَلمانيّ في سياق التركيبة اللبنانيّة الطائفيّة المتشابكة المتعثّرة.
وممّا يبدو لي واضحاً في هذا المقام أنّ الصيغة العَلمانيّة التي تناسب الاجتماع اللبنانيّ هي الصيغة التي تُتيح للمتديّنين اللبنانيّين أن يستخدموا مقتضيات الحياديّة العَلمانيّة في تنزيه الأنظومة الدينيّة من معاثر الاستعلاء والهيمنة وتجارب اجتياح الحقل المدنيّ اللبنانيّ الواحد. ولذلك كانت وظيفة المطلب العَلمانيّ في لبنان تحرير الدين من تجارب التسلّط الإيديولوجيّ التي تتربّص به على الدوام. وممّا يُعزّز مبرّرات هذه الوظيفة أنّ المجتمع اللبنانيّ تعدّديٌّ في أصله ونشأته وتكوّنه، لا يخضع على الإطلاق لهيمنة الدين الواحد. وبما أنّ الأديان كلّها تتمتّع بشرعيّة ادّعاء التوق إلى المطلق، على أن يقتصر هذا الادّعاءُ على استدعاء الذين يختبرون ملاءمة الحقيقة الإيمانيّة لمسعى البحث عن المعنى في وجودهم، فإنّ الحياديّة العَلمانيّة هي وحدها التي تنقذ الأديان من محنة التصارع والاقتتال.
وبعبارة أخرى، يجب على أهل الدين في لبنان أن يرحّبوا أيّما ترحيب بالمطلب العَلمانيّ، لأنّ الحياديّة العَلمانيّة تُتيح لهم أن يتعايشوا في صونٍ أمين لاستدعاءات الحقيقة الإيمانيّة التي يبايعونها في صميم اختبارهم الذاتيّ الفرديّ والجماعيّ، وتُتيح لهم أن يتعايشوا في حرصٍ شديد على حرّيّة الآخرين في الأمانة لاستدعاءات أخرى من الحقيقة الإيمانيّة. وهذا كلّه يقتضي في أهل الأديان التفطّنَ إلى أنّ الحقيقة الدينيّة هي من صلبها حاملةٌ لتجارب التملّك والانبساط والتمدّد. وهذه تجارب تفيد المؤمن في توطيد عمارته الإيمانيّة الذاتيّة، ولكنّها تخذله في بناء شبكة الاتّصال السليم بالآخر المختلف عنه في الدين والفكر والالتزام. فإذا لجأ أهلُ الدين الواحد إلى مقولة الحقيقة الدينيّة لإعانتهم على الوقوف موقف الانضباط والخفر والاتّضاع في إقبالهم على الآخرين، فإنّهم سيسقطون حتماً في تجربة الاجتياح العفويّ لدائرة الاقتناع الإيمانيّ الآخر وسيخالفون حتماً مبدأ الحرّيّة الإنسانيّة في الفكر والانتماء والتعبير والالتزام. أمّا إذا صانوا لأنفسهم مقولة المبايعة الصريحة للحقيقة الإيمانيّة على نحو ما تنكشف لهم في صميم الاختبار الدينيّ التاريخيّ الفرديّ والجماعيّ، فإنّهم يستطيعون أن يلجأوا لجوءاً سليماً إلى مقولة الحياديّة العَلمانيّة في إقبالهم إلى الآخرين. وهي مقولةٌ تراعي لهم الأمانة للحقيقة الإيمانيّة الذاتيّة وتمنحهم القدرة على التواصل الإنسانيّ السليم البنّاء مع الآخرين.
وعلى هذا النحو يتبيّن أنّ وظيفة المطلب العَلمانيّ الأولى تخدم الدين خدمةً عظيمةً لأنّها تصون للحقيقة الإيمانيّة مقامها الشريف في هيكل الضمير الفرديّ فلا تُعرّضها للتشنّج والاضطراب والاستغلال في معترك التزاحم على اجتياح المدى الاجتماعيّ المدنيّ. ولكي يدرك أهلُ الأديان سموّ الخدمة التي يضطلع به المطلبُ العَلمانيّ، ينبغي لهم أن يميّزوا تمييزاً واضحاً بين حقل الاقتناع الإيمانيّ وحقل التدبير الاجتماعيّ المدنيّ. وليس يعني مثلُ هذا التمييز أن يحيا الإنسان المؤمنُ في انفصام مرضيّ لذاته وتنازع مربك في شخصيّته، أي في فكره وقوله وعمله. فالتمييز هذا يستوجب في المجتمعات المتعدّدة، والمسكونة كلّها انقلبت مجتمعاً واحداً متعدّداً، أن تُراعى خصوصيّةُ التدبير والتنظيم في شؤون النشاط الإنسانيّ التقنيّة، فلا تخضع لتصوّرات وشروط وأحكام مستخرجة من شريعة دينيّة هي في صلبها نشأت مقترنة بوضعيّات الفهم الاجتماعيّ السائدة في زمن من الأزمنة وموضع من المواضع. ذلك أنّ التقنيّات لا دين لها. والتمييز عينه يستوجب أيضاً في المجتمعات المتعدّدة أن يتشاور أهل الأديان المختلفة في انتهاج السبيل الأنسب لرفد خصوصيّة التدبير والتنظيم بروحيّة أخلاقيّة هادية يستخرجون مبادئها وأصولها ممّا تزخر به تراثاتُهم الدينيّة. وفي هذا الإسهام المشترك أفضلُ تعبير عن حاجة الحقل الاجتماعيّ المدنيّ لقيَم الإنسان العليا.
هذا في الوظيفة الأولى. أمّا الوظيفة الثانية التي يضطلع بها المطلبُ العَلمانيّ، فهي تحرير الإيمان من تصلّب المؤسّسة الدينيّة وميلها البنيويّ إلى التسلّط والهيمنة. وفي هذا الموضع ينبغي أيضاً لأهل الأديان أن يبتهجوا ابتهاجاً عظيماً بما يحمله إليهم المطلبُ العَلمانيّ من إمكانات التحرير والتنشيط لطاقات الإبداع التي يختزنها الإيمانُ الذاتيّ المتوتّب المعطاء. فالحياديّة العَلمانيّة هي الأقدر على استدخال ضرب لطيف من التمييز الخلاصيّ بين مقولة الدين ومقولة الإيمان. ذلك أنّ الدين هو من صلب بنيته حاملٌ لمقتضيات الحفاظ على الجماعة والمؤسّسة والتراث والشريعة. وليس في قدرته أن يتنكّر لطبيعة وظيفته التاريخيّة هذه. والإيمان كذلك هو من صلب حركته توثّبٌ فاعلٌ في صميم الكيان الإنسانيّ الفرديّ والجماعيّ يُلهم وينير ويحفّز وينشّط ويقوّم ويطالب بالأمثل على وجه الإطلاق. ولكنّه لا يقوى على الانخراط الرضيّ الخاضع في بنية المؤسّسة الدينيّة.
وحدها الحياديّة العَلمانيّة تُتيح للإيمان أن ينبسط في فعل تاريخيّ تغييريّ من غير أن تتسلّط عليه هواجسُ الجماعة والمؤسّسة وتشنّجاتُ الشريعة والتراث. وحدها الحياديّة العَلمانيّة تمنح الإيمان فرصةَ التعبير الحرّ عن طاقاته الخلاّقة في ابتكار أنماط جديدة من التديّن قد تنهج للمؤسّسة الدينيّة سبُلاً جديدة من التفاعل البنّاء مع ضرورات التاريخ ومقتضيات الزمان. وحدها الحياديّة العَلمانيّة تحرّر الإيمان من معاثر الاصطراع الفتّاك بالمؤسّسة الدينيّة، فتهيّئ له مواضع جديدة من اختبار الحقيقة الإيمانيّة في ما تختزنه من إمكانات جبّارة في إثراء الكيان الإنسانيّ وإنضاجه والارتقاء به إلى مراتب الاكتمال التاريخيّ المنشود.
فإذا أدرك أهلُ الدين في لبنان خطورة الوظيفتَين اللتَين يضطلع بهما المطلبُ العَلمانيّ، كانوا هم الأحرص على مناصرة هذه الحركة العَلمانيّة الرابعة التي يشهدها المجتمع اللبنانيّ. وهي حركةٌ تستطيع أن تحشد لها من عناصر التبرير والمساندة ما لم تستطع أن تأتي به الاختباراتُ التاريخيّةُ الثلاثةُ المتعاقبة للعَلمانيّة في نطاق المجتمع الللبنانيّ في غضون القرنين المنصرمين. ولا تقتصر مسؤوليّة هذه الحركة الرابعة على أهل الدين في لبنان، بل تشمل على وجه الخصوص الشبّان والشابّات الذين يتعيّن عليهم أن يتدبّروا مليّاً في معاني احتشادهم وانتفاضهم. فهيهات يكفي الصراخ بإسقاط النظام الطائفيّ حين تظلّ الأذهانُ في لبنان يشوبها الجهل، وحين تستمرّ مقولاتُ المطلب العَلمانيّ في لبنان يعتريها الالتباس، وحين تواصل النفوس في لبنان المحاذرة والارتباك والارتماء في الأعراف الطائفيّة المطمْئنة واسترهاب الآفاق العَلمانيّة الجديدة المقلقة.
وختام القول إنّ الثورة العربيّة في لبنان قد تتّخذ شكلَ المطلب العَلمانيّ الجامع. ولكنّها ثورةٌ لا تستقيم إلاّ إذا أصابت حقول الاجتماع اللبنانيّ الأخرى، ومنها الحقل السياسيّ. ولذلك تقتضي النزاهةُ الفكريّة أن يُضمّ إلى المطلب العَلمانيّ اجتهادٌ ناقدٌ للفكر السياسيّ في لبنان وللفعل السياسيّ في لبنان وللطبقة السياسيّة في لبنان. وقد يكون من الإجحاف أن يقتصر النقدُ العَلمانيّ في لبنان على تقويم الطائفيّة اللبنانيّة، في حين أنّ أضرار الفساد السياسيّ اللبنانيّ أشدّ جسامةً وإذلالاً للإنسان اللبنانيّ. فالعَلمانيّة المنشودة في لبنان ينبغي لها أيضاً أن تفتضح التواءات الأنظومة السياسيّة اللبنانيّة التي تستغلّ كلّ شيء في لبنان صوناً لمنافع الطبقة الإقطاعيّة والطبقة الرأسماليّة والطبقة الانتهازيّة. وللعَلمانيّة قولٌ ناقدٌ في هذه الطبقات الثلاث. غير أنّ لهذا المقام مسعىً آخر.
أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية