Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

عداءات تدوم ومصالحات لا تقوم - سمير عطالله (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

في عبقرية اللغة ولطائفها، يصبح الفصح هو عيد الصفح. يومَ هو على صليبه، وفوق رأسه إكليل من شوك البرية، ولا يسد عطشه سوى اسفنجة فيها خل، طلب من ربه شيئاً واحداً: ان يغفر للجهلة فظاظتهم. في أرجوزته عن الحمل والذئب، يستخلص المسيو دو لافونتين، ان للحق صورة واحدة، هي القوة. وفي نصائحه الفاجرة، يعلمنا السنيور ماكيافيللي ان للقوة صورة واحدة، هي التحايل والنفاق والخدعة. اما على الجلجلة فقد حدث امر آخر: غسل بيلاطس يديه خوف ان تحل التبعة على روما، وانتحر يوضاس في جذع زيتونة مثقلاً بالفضة، ودخل الذين هتفوا لصلبه وتبرئة لص الشمال، جحيم اللعنة.
كان يعلّم بالامثال. لكن الامثولة الكبرى التي تركها ولم يفسرها، هي ان الحق ليس القوة. الحق هو الحرية. وان نجاراً من الناصرة سوف يورّث روما كلها لصياد سمك من الجليل، يدعى بطرس. بعدما قال له ان الضعفاء يرثون الارض ويألفون الى النعيم. وان الذين ابتاعوا الاسخريوطي بثلاثين من الفضة، لن تشتري لهم ثروات الارض ومناجم الالماس، هناءة النفس.
كانت تلك الملحمة اول نقض لفلسفة القوة التي قامت عليها الامبراطوريات، والفكر الاسبارطي والتوسّع الروماني، وحضارة العبيد والرق وزواج المحارم. لا الياذة من 15 الف بيت، بل مجموعة حوارات بسيطة في جولات ما بين قانا وطبريا والقدس، علّم خلالها ان القوة تفتك بالقوة، والمحبة تبسط الطمأنينة ووحدها تنبت السكينة.
تصافحوا في بكركي ولا يصفحون. صورة تذكارية كأنها التقطت في طروادة. محاربون قدماء، وشاب وحيد. لم يكن وحيداً عندما كانت عائلته في الحياة. تشاء الفاجعة الكبرى في اهدن، هذه المرة، ان يكون الدم زغرتاوياً لكن السكين خارجية. كل عائلة سياسية تذوّقت طعم الدمع والدم. مرة في الوطن، ومرة في جنون العبث. وما تعلم المسيحيون، وهم يقتتلون ويتحاربون ويملأون الجنازات، انه ويل لأمة عداواتها تدوم ومصالحاتها لا تقوم، الحقد صغير لا يكبر ولا يبلغ الرشد.
لكنها مناسبة للصفح. بعد وفاة فرانكو، بدأت اسبانيا ازالة تماثيله، ومحو اسمه، عن الجادات والشوارع. لا تريد للاجيال التي نجت من دمار الحرب الاهلية ودمائها، ان تتذكر رموز الدمار والدماء. لكن السناتور في عهد فرانكو، مانويل فراغا، كان له رأي آخر: "ماذا يفيد القانون من ذلك؟ ليس في امكاننا ان نغير في الماضي شيئاً". المهم استباق الخطأ لا الاعتذار عنه.
يتساءل المرء وهو يتأمل الصورة التذكارية في بكركي، هل هي مصادفة ام ضرورة ام نسج قدري، ان تكون الزعامات المسيحية من المحاربين؟ ولم لا؟ ماذا كانت الزعامات الاخرى في هذا البلد المرتعد والمتأهب؟ اليست هذه روح الشرق: إما صياداً وإما طريدة؟ لم يكن خلاص المسيحيين يوماً في تذابحهم وفي انقسامهم المرضي، ولا في الحرب. كان خلاصهم ابداً في اقامة دولة على مستوى علومهم لا على غرار مدافعهم. فلا مكان لهم في مواقع القوة، بل في مواقع المعرفة والقانون، وبناء المجتمع القائم على التقاء الحضارات وسلالم الترقي.
لم يكن هذا ما ظهر في التعامل مع احد نماذج الرقي والقانون، في زمن الصراخ والفوضى والتسيّب. فقد بدا اننا نريد احراق البلد من اجل ان نحرق صورة زياد بارود في وزارة الداخلية. ومن كان له حرص انملة على لبنان، لا يكون شرطه اخراج زياد بارود من قصر الصنائع. لا اليوم ولا غداً. ليس لان الرجل يمثل رئيس الجمهورية، وانما لانه يمثل القيم والاصول والتقاليد الجمهورية. ويمثل الشجاعة الادبية ومفاهيم القانون. وثمة ظلم اخلاقي شديد في ان نعتبر زياد بارود مطلب الرئيس، او تثنية البطريرك. انه رغبة كل لبناني يؤمن بمقياس الكفاية والضمير، حتى في مثل هذه الحال من فداحة السقط ومرارته وانفلات كل شيء.
لا يكون الكفر الوطني فقط في فرض المجردين من كل حق، او استحقاق، بل يكون ايضاً في نقض وابعاد الرجال الذين استحقوا بالسيرة ثم بالتجربة. أليست ظاهرة حان وقت دراستها، ان الموارنة لا ينتظمون الا في تجمعات قائمة على القوة وعنف الانقسام وشبق التفرّد؟
الذين أسقطوا الشرطي العتي في تونس، وماكينة حسني مبارك في مصر، هم الذن كانوا إلى الأمس قد نسوا حتى رياضة الهمس. الى الآن لا نعرف لماذا هب الصامتون هبة واحدة وكيف اخترقوا جدار الصوت. والأرجح أنهم أيضاً لا يعرفون. ثمة ظاهرة يقاربها ربما صعود المماليك أو ثورة الزنج، أو الحركة المدنية في الولايات المتحدة. وليس من قبيل العلم بل من قبيل الافتراض، أنه ربما كان باراك أوباما يساند الحركات العربية لتماثلها مع تلك التي انتمى اليها ذات يوم. لكن المشهد البديل لا يزال غامضاً وغائماً في كل مكان. ونحن لا نعرف إن كانت القوى الجديدة في مصر وتونس تتصارع في ما بينها، أو هي في صدد تشكيل قياداتها. وفي الحالين، اللتين هما المنبع، ثمة خضات كثيرة ومطبات وحفر. وإحداها الاحتجاج الجماهيري على تعيين قبطي برتبة لواء محافظاً على قنا. ولا ننسى أن المصريين صوتوا بنسبة 70% على دستور يمنع القبطي من الترشح لرئاسة الجمهورية. وبعد حوادث العراق، وحوادث مصر، وظهور سيوف السلفيين في الأردن، يفترض في مسيحيي لبنان أن يرتفعوا قليلاً عن حرب الاستقحاب ليتأملوا هذه الأعاصير الرابضة كالتنين الأسود، كما كان يقول العراقي النادر الأب أنسطاس الكرملي، في وصف العمود الغيمي العملاق، الذي لا يلبث أن يتفلت بروقاً وعواصف وسيولاً وفيضانات.
لا وقت لدى العالم لصغائرنا. هذه المرة ثمة خوف حقيقي من مجيء الذئب، حاملاً الخرائط المرسومة بالمخالب. بعد العودة الى لبنان من اغتراب طويل، ذهبت أزور الرئيس سليم الحص في مكتبه. وقال بدماثته، كيف تبدو المنطقة من الخارج؟ قلت له أن المفزع (آنذاك) هو ما يجري في يوغوسلافيا. فجأة عادت التحالفات الى ما قبل الحرب: الروس مع الصرب والألمان مع سلوفينيا والفاتيكان مع كرواتيا واليونان خائفة من مقدونيا. ان كل ما كنا نسميه البلقنة، معتقدين انه صار من التاريخ، نراه أمامنا الآن نسخة دموية عن الأمس، حتى في وسط أوروبا المتحضرة.
وسأل الرئيس الحص، ما هي حقيقة الدور الأميركي؟ قلت له، اعتقادي انهم ينتظرون الى ان يرتكب الروس كل الأخطاء، وتثبت أوروبا مدى ضعفها وعجزها، وعندها يحضرون ومعهم قاذفات "البي فيفتي تو"، وكاميرات "السي ان ان" وفي غضون ذلك يعدّون للسلاح الأمضى: مجلس الأمن !
ارتكب معمر القذافي الخطأ الفاضح والفادح، الذي كرر ارتكابه صدام حسين. لم يقرأ جيداً معنى الذهاب الى مجلس الأمن. لم يعرف الفارق (ولا أحد يتوقع منه ان يعرف) بين الجمعية العمومية التي أدى فيها دور الثائر الذي يمزق تهريجاً ورق الخطاب ويتهم سامعيه، في قحة مألوفة، بالنعاس – ومجلس الأمن، حيث تطبخ الاطاحات وملفات المحاكم، باندفاع أميركي وامتناع صيني وهمهمة روسية، لا تتجاوز رفع العتب.
لا نعرف كيف ومن أين يمكن أن نتطلع الى ما يسميه صيادو السمك "الجاروفة". لا شيء واضحاً بعد، سوى أن المفاجآت قد تكون أكبر من قدرة المنطقة على التحليل والتوقع. فلا معادلة ليبنى عليها. ولا برامج تناقش. ولا ايديولوجيات تطرح. لا شيء سوى جماهير خرجت من منازلها وهي ترفض أن تعود.
لقد اعتادت الهواء الطلق، بعد عقود من الأقبية. لكن خريطة التغيير متفاوتة وفيها دم غزير. لا يزال القابض على ليبيا يقصف أهله ومدنه، فيما الغرب يقارب أطراف ثوبه. ولا يزال الامام الثوري في اليمن رابضاً، باسم الدستور والانتخابات، وهو الذي بهدل الدساتير ولم يكف عن اعادة انتخاب نفسه طوال ثلاثة عقود. والعالم العربي ينتظر مصر كي يستقر على نموذج يحتذى، لكن دراميات الوضع في القاهرة تجعل الأمور تبدو كأنها تصوير في استوديو الاهرام. فمن كان يصدق ان الدولة سوف ترمى في السجون، وأن الرئيس سوف يؤدي القسم بقول الحقيقة أمام النائب العام: اسمك. مهنتك. مكان الاقامة.
مستشفى السجن. سيادتك. المهنة رئيس سابق رفض أن يعين نائباً له. يعاني مرضين، احدهما قاتل أكثر من الآخر: غيبوبة السلطة، وسرطان المري. هذه صفحة لن تتكرر في مصر ولا في العالم العربي: الرئيس رجل ينتخب لدورتين، وليس فرعوناً يحكم مدى الحياة، ويمضي عمره في بناء القصر الذي سيعود اليه بعد القيامة من الموت. لا أهرام بعد اليوم الا كفضول سياحي. وجمل للصورة التذكارية لا لارعاب ميدان التحرير. عاد الضعفاء يرثون ما يملكون، الحرية والأرض.

← Back to Selected Articles