انقلاب الوقت والجغرافيا - أمين قمورية (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
عاملان عززا دور سوريا دولة اقليمية ذات نفوذ ولاعباً سياسياً مهماً في المنطقة وانقذاها في اللحظات الحرجة: الموقع الجغرافي المطل والمؤثر في الازمات الكبرى مثل فلسطين ولبنان والعراق، واتقان فن تقطيع الوقت وسياسة حافة الهاوية في الاوقات الصعبة.
النظام السوري واجه في السنوات الاربعين الاخيرة "انصاف ازمات كبيرة" وتمكن بالحظ و"موهبتي" الافادة من الوقت والموقع من تجاوزها والنجاة بنفسه من الملمات وخصوصا اعوام 1982 و1983 و2005.
اليوم سلوك النظام السوري حيال الحراك الشعبي غير العادي الذي يتحداه، هو سلوك الماضي، فهو يتعامل مع الازمة الجديدة المكتملة العناصر والتي تتجاوز بمخاطرها كل ما سبقها على انها "نصف ازمة" وان الوقت كفيل بحلها وان الحساسية الجيوسياسية لسوريا تحول دون ان يغامر الكبار او اهل الجوار بهز استقرارها. فبعد مضي ثلاثة اشهر على انفجار الشارع السوري الذي رافقه طوق خارجي، لا يزال الحكم في دمشق يقدّم التكتيك على الاستراتيجية، ويستعين بأدوات الماضي للتعامل مع جديد لم يختبره احد من قبل . هو لا يتقن سوى الكي! واذا كان الكي ينفع في التخلص من الدمل الصغير، فان المرض السوري اليوم اشبه بالتهاب السحايا، والكي في هذه الحال يتلف الدماغ والاعصاب ويعجل في أجل المصاب.
الجغرافيا اليوم، للمرة الاولى، ليست في مصلحة سوريا. الحدود الواسعة والمفتوحة هي من اكثر المشكلات تعقيداً التي قد تواجه النظام في ورطته الحالية. في الماضي عندما واجه ازمة مع العراق كان ظهره اللبناني والاردني والتركي آمناً. وعندما واجه ازمة مع تركيا كانت الظهور آمنة ايضاً. وكذلك عندما واجه ازمة مع لبنان والاردن. اليوم ضمنا كل الظهور غير آمنة: اميركا في العراق، "الاخوان" في الاردن، اردوغان الفاتح الجديد في تركيا، وما ادراك ما في لبنان.
الوقت ايضا ليس في مصلحة النظام . يتباهى بأن الغالبية الشعبية لا تزال في صفه... لم يتعلم من الدرس السوفياتي ولا الصدامي وكيف تتغير في لحظة امزجة الجماهير! يعتقد ان اوراق القوة لا تزال في جعبته... فماذا لو اعلن ضابط كبير او فرق عسكرية انشقاقها؟ هل تكفي بضعة مراسيم رئاسية لاستئصال فساد الفاسدين الذي بلغ النخاع وجفف شرايين الدولة؟
الكي لا ينفع والوقت ينفد، والنجاة لا تكون الا بأمر من اثنين كلاهما مرّ وقد يؤديان الى النتيجة عينها: اصلاح جذري بالاعلان فورا عن انتخابات حرة ومتعددة... والنتيجة ستكون حتما تغيير النظام، او عقد صفقة كبيرة مع الغرب. وثمن هذه مثل ثمن تلك حتى لو بقي رأس النظام الى حين.