صخرة أمين معلوف... وصرخته - مازن حايك (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
شكّل انضمام الكاتب والأديب أمين معلوف إلى الأكاديمية الفرنسية "مجمع الخالدين"، مكان عالِم الأناسة الراحل كلود – ليفي ستراوس، حدثاً ثقافياً وأدبياً بارزاً في العالم الفرنكوفوني ودنيا الإبداع الروائي وصقل اللغة الفرنسية. تحمل عضوية أمين معلوف في الأكاديمية بُعداً رمزياً مُعبِّراً يقع في صلب حوار الحضارات والثقافات و"الشركة المتوسطية"، وتُشكِّل رسالة تعايش وتسامح وانفتاح وتنوُّع، اكتنزها في شخصه، واكتسبها من عائلته - المعروفة بالدماثة والعلم والتعليم والتلاقي - ومن تربيته ونشأته، ومن ضيعته "عين القبو" المتنيّة الوديعة، ومن "جزيرة ري" الفرنسية المُلهِمة... كما حملها في فكره، ووجدانه، وكتاباته، وجسَّدها في وطنه الواحد، وإن تعددت الجنسيات.
في العام 1993، جلس أمين معلوف على "صخرة طانيوس"، عائداً بنا إلى الجذور والهويّات (القاتلة)، ومستعيداً الحنين إلى جو لبنان ومناخ القرية فيه، (مشتاقاً ضمناً إلى نكهة كعك التيتا "أم فخري" جدّته الفاضلة)، ومتوقفاً أمام الماضي "على علاّته"، وتاريخ لبنان وولادته، وزمن الصراعات الكبرى، ومتطرّقاً إلى مسألة انتقال الأجيال وتوارثها، ومشدِّداً على أهمية "التقدُّم إلى الأمام"، عوض البحث عن مستقبل الوطن في ماضيه والإخفاقات، كما هو حاصل اليوم...
صحيح أن أمين معلوف يشكِّل ظاهرة يُفتخَر بها ويُبنى عليها، لكن لبنان، بشقيّه المقيم والمغترِب، يزخر بالمواهب الفذّة والطاقات النابضة التي نعجز، وللأسف، عن تحديدها وانضاجها وتثميرها واستثمارها لمصلحة الوطن والمواطن والخير العام... في الوقت الذي تنجح فيه فرنسا، وغيرها من الدول المتقدمة والراقية، في تحقيق ذلك بشكل مُلفت ومستدام، لتذكّرنا بحالة التردّي، والتفكّك، والانحدار في سلّم القيَم، والتهميش، وضياع الأفق التي وصلنا إليها على كافة الصعد والمستويات. ولا حاجة هنا للتذكير بأن أمثال أمين معلوف، وغسان سلامه، وكارلوس غصن، وعبد الرحمن الباشا، وغبريال يارد، وغيرهم، يشكِّلون منارة للبنان (والعرب)، وهم أنشط وأفعل وأكثر حضوراً فرنسياً (وعالمياً) من العديد من المؤسسات اللبنانية، والزيارات الرسمية الموسمية، والأقنية الديبلوماسية مُجتمعة!
أمين معلوف: صخرة من لبنان، وانضمامه إلى الأكاديمية الفرنسية مكسب لفرنسا، وصرخة مدوّية بوجه لبنان الرسمي، ودولته الغائبة، وحكومته "المُمانِعة"، التي يُفترَض أن يكون وزير (أو وزيرة!) الثقافة فيها "إسم عَلَم"، وقدوة، ومصدر إشعاع وإلهام وإبداع لمثقّفي لبنان وللنُخب والمواهب فيه وخارجه، وكذلك همزة وصل وتواصل بين لبنان وأصدقائه الكثر في العالم.
إنها هجرة الأدمغة والكفاءات، القسرية والاختيارية، من لبنان "المعرِفة" بأحلى حللها ومفاعيلها والتجلّيات... فهل من يَسمع الصرخة قبل وقوع الصخرة؟!