Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

فلسطين وشرعية فكرة الدولة - سليمان تقي الدين (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

 

 
 
  فلسطين وشرعية فكرة الدولة

 

سليمان تقي الدين
  تخترق قضية فلسطين جدار العزل الدولي الذي حال دون الاعتراف بحق تقرير المصير وإزالة الاحتلال الذي لم يعد له شبيه في العالم. لا ينكر المجتمع الدولي على الفلسطينيين الحق في إدارة سياسية رسمية أو «دولة» إذا شاؤوا تسميتها كذلك، كما يقول رئيس الحكومة الإسرائيلية. لكن هذه الشخصية المعنوية المفترضة لم تحصل على الاعتراف القانوني ولا الحصانة ولا الحماية لا بوصفها عضواً في الأمم المتحدة ولا بوصفها دولة تحت الاحتلال.
بعد عقدين من مفاوضات مدريد وأوسلو والوعود الغامضة عن دولة فلسطين، استطاعت إسرائيل أن تُسقط ثلاثة معطيات في الشرعية الدولية بعد إسقاطها الحقوق التاريخية. تضمن القرار 181 لعام 1947 الاعتراف بدولة فلسطينية، ثم تضمن القرار 242 بعد حرب 1967 الاعتراف بلا شرعية الاحتلال في الضفة والقطاع، وانضمت منظمة التحرير عام 1974 إلى عضوية مراقب في الأمم المتحدة. هذه المكتسبات تجاوزها اتفاق أوسلو 1993 لينشئ واقعة «السلطة» والإدارة الفلسطينية الأقرب إلى صورة الحكم الذاتي من صورة الدولة المستقلة. على المستوى القانوني  هناك فارق جوهري بين الكيان الدولي المستقل والإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي. منذ أوسلو يدور الصراع بين مشروعي الدولة في التفسير الفلسطيني ومشروع الحكم الذاتي في التفسير الإسرائيلي. حين زلّ لسان الرئيس الأميركي باراك أوباما بعبارة الدولة على حدود 1967 تعرّض لأوسع حملة ضغط من إسرائيل والكونغرس الأميركي للتراجع عنها.
كل مسار التفاوض الثنائي الذي لا يقبل نتنياهو منه بديلاً يرتكز إلى فكرة إيجاد حل إنساني لكتلة بشرية لا تملك مقوّمات السيادة فلا تستعيد أي جزء من حقها التاريخي في فلسطين. في المشروع الإسرائيلي يشكّل الاعتراف بالهوية الوطنية مدخلاً لنزاع مستقبلي لا ينتهي. تنقض الهوية الفلسطينية أساس العقيدة الصهيونية وتنقض أساس دولة إسرائيل بصفتها دولة يهودية. ترفض دولة إسرائيل الاعتراف بشراكة العرب واليهود في فلسطين وتبحث عن «حل واقعي» يؤدي هذا الغرض ولا تجده عملياً أو ممكناً إلا في صيغة الوطن البديل. هكذا يصبح «الرفض العربي» لمشروع الدولتين، أو لدولة فلسطينية في حدود 1967 شبيهاً برفض قرار التقسيم عام 1947 ونتائجه.
مأزق أوسلو (1993) في تأجيله قضايا الحل النهائي للتفاوض الذي استهلك ثمانية عشر عاماً. إذا كان من أهمية اليوم للمعركة السياسية والدبلوماسية في الأمم المتحدة فهي في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة كحق تكرّسه الشرعية الدولية فتنقلب المعادلة السياسية حتى لو بالتفاوض من البحث في شؤون السلطة والإدارة إلى البحث في شكل إنجاز الدولة. ولأن المسألة على هذا النحو تستفز إسرائيل وأميركا والرباعية لإحباط هذا المسعى وإعادة الأمور إلى مربع التفاوض المفتوح على موازين القوى قبل الإقرار بالحقوق الثابتة.
تحصل فلسطين في الجمعية العامة مجدداً على الاعتراف لتصطدم بالنقض الأميركي في مجلس الأمن. يهزأ المسؤولون الإسرائيليون من هذه النتيجة التي لا تتمتع بقوة تنفيذية. يعرف الفلسطينيون هذه الحقيقة ولكنهم يريدون التعويض عن «سياسة الرفض» التي ساهمت في طمس القرارات الدولية السابقة التي كانت في مصلحتهم ولو جزئياً.
لن تكون هذه المعركة الدبلوماسية نهاية المطاف قطعاً ولن يضير هذه المعركة أن يرتفع صوت فلسطين يذكر بالحقوق التاريخية. لكن المواجهة الفعلية تقتضي أن يستثمر الفلسطينيون على ما بقي لهم من شرعية دولية لكي يكون لهم تحسين شروط التسوية ومحاصرة إسرائيل بفكرة التسوية وبمشروع السلام. في واقع الأمر ليس لدى إسرائيل مشروع سلام ولا حتى مشروع تسوية مهما كانت مجحفة. لا شيء أسطع دليلاً من الاستيطان ومن سياسة القضم الهادفة في أحسن الأحوال إلى تجويف أي مضمون استقلالي لما يمكن أن تتنازل عنه من أرض.
حين اجتاحت إسرائيل الضفة والقطاع ووسّعت احتلالها، ثم خرجت من غزة وعمّقت سلطتها على الضفة رسمت ما تراه مناسباً لتخفيف عبء السكان لصالح كسب الجغرافيا. الجغرافيا في المفهوم الإسرائيلي ليست إيديولوجية فقط، بل هي ركيزة مادية وقانونية لتجويف مرتكزات الهوية الفلسطينية. معركة الشعب الفلسطيني الراهنة رغم كل التراجعات هي إعادة الاعتبار للجغرافيا حتى لا تأتي الحلول بحكم الأمر الواقع «لشعب يبحث عن وطن» ولا يناضل لاستعادة وطنه المسلوب. كأن في العقل الصهيوني ما يريد أن يتبادل الأدوار ويقلب المنطق التاريخي وقد أنجز واقعياً جزءاً ليس بقليل من هذه المهمة. لهذه الأسباب بالذات، ولهذا الإدراك لمعنى الزمن الذي تطيل أمده إسرائيل كعنصر في مصلحتها في التوازنات الإقليمية والدولية، يصبح القرار الفلسطيني في إعادة نشر القضية على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة مسألة حيوية ومهمة.
لم يكن يوماً القانون الدولي إلا انعكاساً لموازين القوى، ولن تصان الحقوق الوطنية إلا بالدفاع عنها وبالنضال من أجلها ولا يجوز أن تكون المعركة الدبلوماسية مدخلاً للمقايضة أو المفاضلة بين وسائل العمل.
قد تكون هذه المعركة فرصة للسلام أو لا تكون، لكنها فرصة لموازاة حضور الشعب الفلسطيني على أرضه مع تكريس شرعية حقوقه دولياً.
 
 
 
  فلسطين وشرعية فكرة الدولة

 

سليمان تقي الدين
  تخترق قضية فلسطين جدار العزل الدولي الذي حال دون الاعتراف بحق تقرير المصير وإزالة الاحتلال الذي لم يعد له شبيه في العالم. لا ينكر المجتمع الدولي على الفلسطينيين الحق في إدارة سياسية رسمية أو «دولة» إذا شاؤوا تسميتها كذلك، كما يقول رئيس الحكومة الإسرائيلية. لكن هذه الشخصية المعنوية المفترضة لم تحصل على الاعتراف القانوني ولا الحصانة ولا الحماية لا بوصفها عضواً في الأمم المتحدة ولا بوصفها دولة تحت الاحتلال.
بعد عقدين من مفاوضات مدريد وأوسلو والوعود الغامضة عن دولة فلسطين، استطاعت إسرائيل أن تُسقط ثلاثة معطيات في الشرعية الدولية بعد إسقاطها الحقوق التاريخية. تضمن القرار 181 لعام 1947 الاعتراف بدولة فلسطينية، ثم تضمن القرار 242 بعد حرب 1967 الاعتراف بلا شرعية الاحتلال في الضفة والقطاع، وانضمت منظمة التحرير عام 1974 إلى عضوية مراقب في الأمم المتحدة. هذه المكتسبات تجاوزها اتفاق أوسلو 1993 لينشئ واقعة «السلطة» والإدارة الفلسطينية الأقرب إلى صورة الحكم الذاتي من صورة الدولة المستقلة. على المستوى القانوني  هناك فارق جوهري بين الكيان الدولي المستقل والإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي. منذ أوسلو يدور الصراع بين مشروعي الدولة في التفسير الفلسطيني ومشروع الحكم الذاتي في التفسير الإسرائيلي. حين زلّ لسان الرئيس الأميركي باراك أوباما بعبارة الدولة على حدود 1967 تعرّض لأوسع حملة ضغط من إسرائيل والكونغرس الأميركي للتراجع عنها.
كل مسار التفاوض الثنائي الذي لا يقبل نتنياهو منه بديلاً يرتكز إلى فكرة إيجاد حل إنساني لكتلة بشرية لا تملك مقوّمات السيادة فلا تستعيد أي جزء من حقها التاريخي في فلسطين. في المشروع الإسرائيلي يشكّل الاعتراف بالهوية الوطنية مدخلاً لنزاع مستقبلي لا ينتهي. تنقض الهوية الفلسطينية أساس العقيدة الصهيونية وتنقض أساس دولة إسرائيل بصفتها دولة يهودية. ترفض دولة إسرائيل الاعتراف بشراكة العرب واليهود في فلسطين وتبحث عن «حل واقعي» يؤدي هذا الغرض ولا تجده عملياً أو ممكناً إلا في صيغة الوطن البديل. هكذا يصبح «الرفض العربي» لمشروع الدولتين، أو لدولة فلسطينية في حدود 1967 شبيهاً برفض قرار التقسيم عام 1947 ونتائجه.
مأزق أوسلو (1993) في تأجيله قضايا الحل النهائي للتفاوض الذي استهلك ثمانية عشر عاماً. إذا كان من أهمية اليوم للمعركة السياسية والدبلوماسية في الأمم المتحدة فهي في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة كحق تكرّسه الشرعية الدولية فتنقلب المعادلة السياسية حتى لو بالتفاوض من البحث في شؤون السلطة والإدارة إلى البحث في شكل إنجاز الدولة. ولأن المسألة على هذا النحو تستفز إسرائيل وأميركا والرباعية لإحباط هذا المسعى وإعادة الأمور إلى مربع التفاوض المفتوح على موازين القوى قبل الإقرار بالحقوق الثابتة.
تحصل فلسطين في الجمعية العامة مجدداً على الاعتراف لتصطدم بالنقض الأميركي في مجلس الأمن. يهزأ المسؤولون الإسرائيليون من هذه النتيجة التي لا تتمتع بقوة تنفيذية. يعرف الفلسطينيون هذه الحقيقة ولكنهم يريدون التعويض عن «سياسة الرفض» التي ساهمت في طمس القرارات الدولية السابقة التي كانت في مصلحتهم ولو جزئياً.
لن تكون هذه المعركة الدبلوماسية نهاية المطاف قطعاً ولن يضير هذه المعركة أن يرتفع صوت فلسطين يذكر بالحقوق التاريخية. لكن المواجهة الفعلية تقتضي أن يستثمر الفلسطينيون على ما بقي لهم من شرعية دولية لكي يكون لهم تحسين شروط التسوية ومحاصرة إسرائيل بفكرة التسوية وبمشروع السلام. في واقع الأمر ليس لدى إسرائيل مشروع سلام ولا حتى مشروع تسوية مهما كانت مجحفة. لا شيء أسطع دليلاً من الاستيطان ومن سياسة القضم الهادفة في أحسن الأحوال إلى تجويف أي مضمون استقلالي لما يمكن أن تتنازل عنه من أرض.
حين اجتاحت إسرائيل الضفة والقطاع ووسّعت احتلالها، ثم خرجت من غزة وعمّقت سلطتها على الضفة رسمت ما تراه مناسباً لتخفيف عبء السكان لصالح كسب الجغرافيا. الجغرافيا في المفهوم الإسرائيلي ليست إيديولوجية فقط، بل هي ركيزة مادية وقانونية لتجويف مرتكزات الهوية الفلسطينية. معركة الشعب الفلسطيني الراهنة رغم كل التراجعات هي إعادة الاعتبار للجغرافيا حتى لا تأتي الحلول بحكم الأمر الواقع «لشعب يبحث عن وطن» ولا يناضل لاستعادة وطنه المسلوب. كأن في العقل الصهيوني ما يريد أن يتبادل الأدوار ويقلب المنطق التاريخي وقد أنجز واقعياً جزءاً ليس بقليل من هذه المهمة. لهذه الأسباب بالذات، ولهذا الإدراك لمعنى الزمن الذي تطيل أمده إسرائيل كعنصر في مصلحتها في التوازنات الإقليمية والدولية، يصبح القرار الفلسطيني في إعادة نشر القضية على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة مسألة حيوية ومهمة.
لم يكن يوماً القانون الدولي إلا انعكاساً لموازين القوى، ولن تصان الحقوق الوطنية إلا بالدفاع عنها وبالنضال من أجلها ولا يجوز أن تكون المعركة الدبلوماسية مدخلاً للمقايضة أو المفاضلة بين وسائل العمل.
قد تكون هذه المعركة فرصة للسلام أو لا تكون، لكنها فرصة لموازاة حضور الشعب الفلسطيني على أرضه مع تكريس شرعية حقوقه دولياً.
 
 
 
  فلسطين وشرعية فكرة الدولة

 

سليمان تقي الدين
  تخترق قضية فلسطين جدار العزل الدولي الذي حال دون الاعتراف بحق تقرير المصير وإزالة الاحتلال الذي لم يعد له شبيه في العالم. لا ينكر المجتمع الدولي على الفلسطينيين الحق في إدارة سياسية رسمية أو «دولة» إذا شاؤوا تسميتها كذلك، كما يقول رئيس الحكومة الإسرائيلية. لكن هذه الشخصية المعنوية المفترضة لم تحصل على الاعتراف القانوني ولا الحصانة ولا الحماية لا بوصفها عضواً في الأمم المتحدة ولا بوصفها دولة تحت الاحتلال.
بعد عقدين من مفاوضات مدريد وأوسلو والوعود الغامضة عن دولة فلسطين، استطاعت إسرائيل أن تُسقط ثلاثة معطيات في الشرعية الدولية بعد إسقاطها الحقوق التاريخية. تضمن القرار 181 لعام 1947 الاعتراف بدولة فلسطينية، ثم تضمن القرار 242 بعد حرب 1967 الاعتراف بلا شرعية الاحتلال في الضفة والقطاع، وانضمت منظمة التحرير عام 1974 إلى عضوية مراقب في الأمم المتحدة. هذه المكتسبات تجاوزها اتفاق أوسلو 1993 لينشئ واقعة «السلطة» والإدارة الفلسطينية الأقرب إلى صورة الحكم الذاتي من صورة الدولة المستقلة. على المستوى القانوني  هناك فارق جوهري بين الكيان الدولي المستقل والإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي. منذ أوسلو يدور الصراع بين مشروعي الدولة في التفسير الفلسطيني ومشروع الحكم الذاتي في التفسير الإسرائيلي. حين زلّ لسان الرئيس الأميركي باراك أوباما بعبارة الدولة على حدود 1967 تعرّض لأوسع حملة ضغط من إسرائيل والكونغرس الأميركي للتراجع عنها.
كل مسار التفاوض الثنائي الذي لا يقبل نتنياهو منه بديلاً يرتكز إلى فكرة إيجاد حل إنساني لكتلة بشرية لا تملك مقوّمات السيادة فلا تستعيد أي جزء من حقها التاريخي في فلسطين. في المشروع الإسرائيلي يشكّل الاعتراف بالهوية الوطنية مدخلاً لنزاع مستقبلي لا ينتهي. تنقض الهوية الفلسطينية أساس العقيدة الصهيونية وتنقض أساس دولة إسرائيل بصفتها دولة يهودية. ترفض دولة إسرائيل الاعتراف بشراكة العرب واليهود في فلسطين وتبحث عن «حل واقعي» يؤدي هذا الغرض ولا تجده عملياً أو ممكناً إلا في صيغة الوطن البديل. هكذا يصبح «الرفض العربي» لمشروع الدولتين، أو لدولة فلسطينية في حدود 1967 شبيهاً برفض قرار التقسيم عام 1947 ونتائجه.
مأزق أوسلو (1993) في تأجيله قضايا الحل النهائي للتفاوض الذي استهلك ثمانية عشر عاماً. إذا كان من أهمية اليوم للمعركة السياسية والدبلوماسية في الأمم المتحدة فهي في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة كحق تكرّسه الشرعية الدولية فتنقلب المعادلة السياسية حتى لو بالتفاوض من البحث في شؤون السلطة والإدارة إلى البحث في شكل إنجاز الدولة. ولأن المسألة على هذا النحو تستفز إسرائيل وأميركا والرباعية لإحباط هذا المسعى وإعادة الأمور إلى مربع التفاوض المفتوح على موازين القوى قبل الإقرار بالحقوق الثابتة.
تحصل فلسطين في الجمعية العامة مجدداً على الاعتراف لتصطدم بالنقض الأميركي في مجلس الأمن. يهزأ المسؤولون الإسرائيليون من هذه النتيجة التي لا تتمتع بقوة تنفيذية. يعرف الفلسطينيون هذه الحقيقة ولكنهم يريدون التعويض عن «سياسة الرفض» التي ساهمت في طمس القرارات الدولية السابقة التي كانت في مصلحتهم ولو جزئياً.
لن تكون هذه المعركة الدبلوماسية نهاية المطاف قطعاً ولن يضير هذه المعركة أن يرتفع صوت فلسطين يذكر بالحقوق التاريخية. لكن المواجهة الفعلية تقتضي أن يستثمر الفلسطينيون على ما بقي لهم من شرعية دولية لكي يكون لهم تحسين شروط التسوية ومحاصرة إسرائيل بفكرة التسوية وبمشروع السلام. في واقع الأمر ليس لدى إسرائيل مشروع سلام ولا حتى مشروع تسوية مهما كانت مجحفة. لا شيء أسطع دليلاً من الاستيطان ومن سياسة القضم الهادفة في أحسن الأحوال إلى تجويف أي مضمون استقلالي لما يمكن أن تتنازل عنه من أرض.
حين اجتاحت إسرائيل الضفة والقطاع ووسّعت احتلالها، ثم خرجت من غزة وعمّقت سلطتها على الضفة رسمت ما تراه مناسباً لتخفيف عبء السكان لصالح كسب الجغرافيا. الجغرافيا في المفهوم الإسرائيلي ليست إيديولوجية فقط، بل هي ركيزة مادية وقانونية لتجويف مرتكزات الهوية الفلسطينية. معركة الشعب الفلسطيني الراهنة رغم كل التراجعات هي إعادة الاعتبار للجغرافيا حتى لا تأتي الحلول بحكم الأمر الواقع «لشعب يبحث عن وطن» ولا يناضل لاستعادة وطنه المسلوب. كأن في العقل الصهيوني ما يريد أن يتبادل الأدوار ويقلب المنطق التاريخي وقد أنجز واقعياً جزءاً ليس بقليل من هذه المهمة. لهذه الأسباب بالذات، ولهذا الإدراك لمعنى الزمن الذي تطيل أمده إسرائيل كعنصر في مصلحتها في التوازنات الإقليمية والدولية، يصبح القرار الفلسطيني في إعادة نشر القضية على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة مسألة حيوية ومهمة.
لم يكن يوماً القانون الدولي إلا انعكاساً لموازين القوى، ولن تصان الحقوق الوطنية إلا بالدفاع عنها وبالنضال من أجلها ولا يجوز أن تكون المعركة الدبلوماسية مدخلاً للمقايضة أو المفاضلة بين وسائل العمل.
قد تكون هذه المعركة فرصة للسلام أو لا تكون، لكنها فرصة لموازاة حضور الشعب الفلسطيني على أرضه مع تكريس شرعية حقوقه دولياً.
 

تخترق قضية فلسطين جدار العزل الدولي الذي حال دون الاعتراف بحق تقرير المصير وإزالة الاحتلال الذي لم يعد له شبيه في العالم. لا ينكر المجتمع الدولي على الفلسطينيين الحق في إدارة سياسية رسمية أو «دولة» إذا شاؤوا تسميتها كذلك، كما يقول رئيس الحكومة الإسرائيلية. لكن هذه الشخصية المعنوية المفترضة لم تحصل على الاعتراف القانوني ولا الحصانة ولا الحماية لا بوصفها عضواً في الأمم المتحدة ولا بوصفها دولة تحت الاحتلال.
بعد عقدين من مفاوضات مدريد وأوسلو والوعود الغامضة عن دولة فلسطين، استطاعت إسرائيل أن تُسقط ثلاثة معطيات في الشرعية الدولية بعد إسقاطها الحقوق التاريخية. تضمن القرار 181 لعام 1947 الاعتراف بدولة فلسطينية، ثم تضمن القرار 242 بعد حرب 1967 الاعتراف بلا شرعية الاحتلال في الضفة والقطاع، وانضمت منظمة التحرير عام 1974 إلى عضوية مراقب في الأمم المتحدة. هذه المكتسبات تجاوزها اتفاق أوسلو 1993 لينشئ واقعة «السلطة» والإدارة الفلسطينية الأقرب إلى صورة الحكم الذاتي من صورة الدولة المستقلة. على المستوى القانوني  هناك فارق جوهري بين الكيان الدولي المستقل والإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي. منذ أوسلو يدور الصراع بين مشروعي الدولة في التفسير الفلسطيني ومشروع الحكم الذاتي في التفسير الإسرائيلي. حين زلّ لسان الرئيس الأميركي باراك أوباما بعبارة الدولة على حدود 1967 تعرّض لأوسع حملة ضغط من إسرائيل والكونغرس الأميركي للتراجع عنها.
كل مسار التفاوض الثنائي الذي لا يقبل نتنياهو منه بديلاً يرتكز إلى فكرة إيجاد حل إنساني لكتلة بشرية لا تملك مقوّمات السيادة فلا تستعيد أي جزء من حقها التاريخي في فلسطين. في المشروع الإسرائيلي يشكّل الاعتراف بالهوية الوطنية مدخلاً لنزاع مستقبلي لا ينتهي. تنقض الهوية الفلسطينية أساس العقيدة الصهيونية وتنقض أساس دولة إسرائيل بصفتها دولة يهودية. ترفض دولة إسرائيل الاعتراف بشراكة العرب واليهود في فلسطين وتبحث عن «حل واقعي» يؤدي هذا الغرض ولا تجده عملياً أو ممكناً إلا في صيغة الوطن البديل. هكذا يصبح «الرفض العربي» لمشروع الدولتين، أو لدولة فلسطينية في حدود 1967 شبيهاً برفض قرار التقسيم عام 1947 ونتائجه.
مأزق أوسلو (1993) في تأجيله قضايا الحل النهائي للتفاوض الذي استهلك ثمانية عشر عاماً. إذا كان من أهمية اليوم للمعركة السياسية والدبلوماسية في الأمم المتحدة فهي في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة كحق تكرّسه الشرعية الدولية فتنقلب المعادلة السياسية حتى لو بالتفاوض من البحث في شؤون السلطة والإدارة إلى البحث في شكل إنجاز الدولة. ولأن المسألة على هذا النحو تستفز إسرائيل وأميركا والرباعية لإحباط هذا المسعى وإعادة الأمور إلى مربع التفاوض المفتوح على موازين القوى قبل الإقرار بالحقوق الثابتة.
تحصل فلسطين في الجمعية العامة مجدداً على الاعتراف لتصطدم بالنقض الأميركي في مجلس الأمن. يهزأ المسؤولون الإسرائيليون من هذه النتيجة التي لا تتمتع بقوة تنفيذية. يعرف الفلسطينيون هذه الحقيقة ولكنهم يريدون التعويض عن «سياسة الرفض» التي ساهمت في طمس القرارات الدولية السابقة التي كانت في مصلحتهم ولو جزئياً.
لن تكون هذه المعركة الدبلوماسية نهاية المطاف قطعاً ولن يضير هذه المعركة أن يرتفع صوت فلسطين يذكر بالحقوق التاريخية. لكن المواجهة الفعلية تقتضي أن يستثمر الفلسطينيون على ما بقي لهم من شرعية دولية لكي يكون لهم تحسين شروط التسوية ومحاصرة إسرائيل بفكرة التسوية وبمشروع السلام. في واقع الأمر ليس لدى إسرائيل مشروع سلام ولا حتى مشروع تسوية مهما كانت مجحفة. لا شيء أسطع دليلاً من الاستيطان ومن سياسة القضم الهادفة في أحسن الأحوال إلى تجويف أي مضمون استقلالي لما يمكن أن تتنازل عنه من أرض.
حين اجتاحت إسرائيل الضفة والقطاع ووسّعت احتلالها، ثم خرجت من غزة وعمّقت سلطتها على الضفة رسمت ما تراه مناسباً لتخفيف عبء السكان لصالح كسب الجغرافيا. الجغرافيا في المفهوم الإسرائيلي ليست إيديولوجية فقط، بل هي ركيزة مادية وقانونية لتجويف مرتكزات الهوية الفلسطينية. معركة الشعب الفلسطيني الراهنة رغم كل التراجعات هي إعادة الاعتبار للجغرافيا حتى لا تأتي الحلول بحكم الأمر الواقع «لشعب يبحث عن وطن» ولا يناضل لاستعادة وطنه المسلوب. كأن في العقل الصهيوني ما يريد أن يتبادل الأدوار ويقلب المنطق التاريخي وقد أنجز واقعياً جزءاً ليس بقليل من هذه المهمة. لهذه الأسباب بالذات، ولهذا الإدراك لمعنى الزمن الذي تطيل أمده إسرائيل كعنصر في مصلحتها في التوازنات الإقليمية والدولية، يصبح القرار الفلسطيني في إعادة نشر القضية على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة مسألة حيوية ومهمة.
لم يكن يوماً القانون الدولي إلا انعكاساً لموازين القوى، ولن تصان الحقوق الوطنية إلا بالدفاع عنها وبالنضال من أجلها ولا يجوز أن تكون المعركة الدبلوماسية مدخلاً للمقايضة أو المفاضلة بين وسائل العمل.
قد تكون هذه المعركة فرصة للسلام أو لا تكون، لكنها فرصة لموازاة حضور الشعب الفلسطيني على أرضه مع تكريس شرعية حقوقه دولياً

← Back to Selected Articles