ماذا جرى للأرثوذكس؟ - الأب جورج مسّوح (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ينطبق على أعضاء "اللقاء الأرثوذكسيّ" القول الشائع "الناس راجعون من الحجّ وهم ذاهبون إليه". فمشروعهم الانتخابيّ القائم على أن ينتخب أبناء كلّ طائفة من الطوائف اللبنانيّة العظيمة نوابهم سوف يعيدنا إلى عصور اعتقدنا أنّها عبرت إلى غير رجعة، عصور القبائل والعشائر والمجتمعات البدائيّة، ونظام الملل العثمانيّ. ويسعنا أن نشبّه هذا المشروع بـ"اللويا جيرغا"، أي تجمّع القبائل الأفغانيّة الذي أسّس لأفغانستان الحاليّة بعد الاحتلال الأميركيّ.
هذا المشروع ليس سوى ردّة على ما قدّمه المفكّرون الأرثوذكس من آراء وأفكار تسهم في نهضة دولنا ومجتمعاتنا منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا الحاضر. فهؤلاء تبنّوا العلمانيّة بوجوهها المختلفة الوطنيّة والقوميّة والاشتراكيّة، ودعوا إلى فصل الدين عن الدولة وتأسيس دولة المواطنة والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان. وكان ثمّة إجماع على القول بأنّ طائفة الروم الأرثوذكس هي "طائفة اللاطائفيّين".
هنا، يجدر التنويه إلى أنّ أيّ تجمّع طائفيّ لا يسعه أن ينطق باسم أبناء الطائفة كلّها، وبخاصّة عندما يتّصل الأمر بالشأن السياسيّ. ومشروع "اللقاء الأرثوذكسيّ" أو سواه من لقاءات ورابطات وهيئات أرثوذكسيّة لا يعبّر سوى عن رأي واضعيه ومَن يواليهم. غير أنّ ثمّة أرثوذكساً يخجلون من أن تلتصق بطائفتهم اقتراحات كهذه تزيد حدّة التشرذم والتفتّت الوطنيّين، بدلاً من أن تسعى إلى ردم الهوّة القائمة بين اللبنانيّين.
سألني بعض الأصدقاء ساخرين: هل هذا ما تفتّقت عنه عبقريّة العقل الأرثوذكسيّ؟ هل أمسى الأرثوذكس في لبنان يدعون إلى نوع من فيديراليّة الطوائف بعد أن كانوا عابرين لها؟ ما هذا التخلّف الذي تقهقرتم إليه يا روّاد القوميّة العربيّة والأحزاب العلمانيّة؟ أليس الأفضل أن يترشّح أصحاب هذا المشروع إلى الانتخابات البلديّة والاختياريّة عوضًا عن النيابيّة، وهكذا يضمنون انتخاب طوائفهم لهم؟ لماذا عدتم، أيّها الأرثوذكس، إلى حارتكم، "حارة النصارى"، بعد أن خرجتم منها إلى أمداء الوطن والأمّة؟
ثمّ، لماذا يريد هذا اللقاء منعي، أنا المواطن اللبنانيّ، من ممارسة حقّي بانتخاب المرشح الذي أراه مناسبًا لتمثيلي في مجلس النواب لمجرّد أنّه ليس من طائفتي؟ وإذا لم أجد بين أبناء طائفتي مَن هو جدير بتمثيلي، ألا يحقّ لي أن أختار مَن أراه الأصلح - والبقاء للأصلح وفق داروين وأتباعه الاجتماعيّين - من أبناء الطوائف الأخرى؟ لماذا يريد هذا اللقاء منعي من انتخاب "الأوادم" ونظيفي الكفّ وحاملي المشاريع السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الصالحة للبلد بصرف النظر عن انتمائهم الطائفيّ؟
لا يمكن هذا الوطن أن يحيا إذا استمرّ فيه ترسيخ الحالة الطائفيّة في النصوص والنفوس. فالطائفيّة كانت، ولا تزال، هي المحرّك لكلّ الحروب والنزاعات الداخليّة منذ قرنين وإلى اليوم. هي مرض لا يتمّ علاجه بترياق فاسد، بل بدواء ناجع قاعدته الوحدة الوطنيّة القائمة على الفرد المواطن لا على الكتلة الطائفيّة التي تسحق الفرادة البشريّة. آن لهذه المأساة-المهزلة أن يُسدل الستار عليها إلى دهر الداهرين.