Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

صخرة أبو عبدالله الصغير - سمير عطاالله (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

أستطيع، من دون جهد، ومن غير أن أضع سبابتي على خدي، أن أعدد بسرعة الأشياء التي قد أكون على معرفة بها. الأشياء التي أجهلها. ما من آلة تحصيها. يبدأ الجهل الشديد في الرياضيات والعلوم وبديهيات الحساب. ولذا فإنني لا أعرف شيئاً عن النسبية، لا عند آينشتاين، اليهودي الذي رفض أن يكون رئيساً لدولة اسرائيل، لا يريد تسخير العلم العظيم عند وضاعة العنصرية والعنهجية. وكذلك هي معرفتي بالكهرباء، لا تتعدى ان الله جعل النهار والليل، وأعطى الإنسان عقلاً يمدّد به ساعات الضوء والانتاج ومتابعة أخبار العالم العربي.
مقدمة ضرورية للاعتذار عن تناولي، من دون إذن مسبق، موضوعي النسبية والكهرباء، المتداولين الآن في بلاد اقليدس، الذي نسبه سعيد عقل إلينا، مؤسساً للهندسة وأباً للعلوم. في النسبية، أنا معها كمنتخب، لأن الذي يدعو إليها رجل قيم وطنية وأخلاقية وإنسانية، هو حسين الحسيني، المبعد سياسياً بموجب التهم الثلاث وثبوتها والتمادي فيها. لكن المشكلة في النسبية إذ وقعت في أيدي اللبنانيين (لا السياسيين اللبنانيين، بل اللبنانيين وتحت الكلمة شحطة توكيد) انها تسيء التوزيع: تميل الى العدل في الرعية، وتنتقص من حصص أصحاب الأكياس ومن نفوذ حاملي الأرسان، وهذا يغضب صاحب الرسن بقدر ما يغضب المرسون. كلاهما يكره تغيير العادات القديمة.
أوكلنا دراسة قانون انتخابي عادل الى شيوخ مثل فؤاد بطرس وشبان مثل زياد بارود. الأول ضمانة ضد أي شطط في القانون، والثاني ضمانة لإبقاء القانون شاباً ومواكباً للتحوّل الطبيعي في المجتمعات والأمم. قرأ اللبنانيون النص كلُّ بعين واحدة – العين العوراء – وأخذوا يركلونه كما يركلون الدستور والأعراف وما هو أعمق وأهم وأبقى: معايير التعامل المجتمعي والقضائي والمدني بين الناس. أو من لا يزال يريد ذلك بينهم.
نبحث في تطبيق النسبية وقد فقدنا كل انتساب الى أي نسبية إنسانية، وقد فقدنا كل انتساب الى أي نسبة مقبولة في قوانين الأرض. لذلك سارع السياسيون جميعاً الى رفضها، ومعهم أزلامهم ومؤولوهم، لأنها تغيّر خريطة المقاعد الباركة على الصدور: خفض في القدرة على التنكيل في طمأنينة البشر والعبث في المصير. فالذي لا يقلق يشعر بالحرية، والحر يرفض الجِزم، فلماذا التفريط في طاقة القهر ومقدرات الإذلال؟
ما نفع البحث في قانون الانتخاب، أو أي قانون آخر، إذا كان المرشح والناخب قد فقدا الحس الأخلاقي. فلا نضحك على أنفسنا في هذه الجنازة غير الصامتة لفكرة الدولة ومبدأ الوطن. تذكروا ماذا كان يقول الأهل لمعلمي المدارس عندما يأتون إليهم بأولادهم أول السنة: لكم اللحم ولنا العظم. هكذا ردد والد ميخائيل نعيمة فهبّت أم الصبي: لا شيء لهذا الرجل سوى تلقين الدروس. لماذا تريد ان تعلم ابنك الذل وخوف العصا؟
عندما قرر ابراهيم الخليل ان يقدم ابنه ذبيحة للرب، تأمّل الله في ملكوته من مجرات ومحيطات وكواكب وشموس وحياة، وكأنما الذات الإلهية تتساءل: لماذا هذا الطفل؟ ألم يدرك البشر أنني رحمة لا ذريعة؟
أتساءل دوماً، وبسذاجة صادقة ومتواضعة، لماذا الرجل سريع التضحية بسواه، معرفتي بسيطة بالأناجيل. لكنني أتساءل دوماً لماذا غاب يوسف النجار عن الجلجلة؟ لماذا لم يكن الى جانب مريم والمجدلية ومريم الثالثة عندما ذهبن الى القبر غير آبهات برماح الحرس الروماني؟ لماذا جَبُن جميع التلامذة ووقفوا بعيداً يتفرجون على أشواكه، خوف أن يسألهم الجند إن كانوا يعرفونه؟ لقد سألوا بطرس فأنكره، وسألوا يهوذا فباعه، وفي النهاية كلاهما عقد الصفقة مع اللعنة: واحد مقابل الفضة، وواحد بدافع الخوف. واحد نسي أنه الصخرة والمؤتمن على البيعة، وواحد نسي كل شيء.
يتكرر سلوك الرجال في كل العصور. الأسبوع الماضي ذهبت الى غرناطة بحثاً عن عزاء في عتق الحجارة. لا عزاء. أُخذت الى صخرة كبيرة قيل لي إن آخر ملوك غرناطة، أبا عبدالله الصغير، وقف هناك يتأمل ما تركه خلفه فبكى على الحمراء. عندها قالت له أمه ما نُسج شعراً في ما بعد: ابك كالنساء مُلكاً لم تحافظ عليه كالرجال.
ماذا يسمّي الإسبان تلك الصخرة؟ "زفرة العربي الأخيرة". هنا بكى آخر ملوك الطوائف. هنا مزّقوا وتمزقوا. هنا تشتتوا وتناحروا وتآمروا، وهنا لم يعودوا هنا. هنا كتب الإسبان يصفون أبا عبدالله الصغير يشهد زواله: زفرة العربي الأخيرة.
أجمل رثاء لستيف جوبس ليس عنوان "التايمس" انه "الرجل الذي غيّر العالم"، بل كاريكاتور الرسام إل روتو في "ألباييس": "سرعة الظلام أقوى من سرعة الضوء". ترفض حمص أن تتوقف عن المزاح: ستيف جوبس هو الابن الذي رفض عبد الفتاح الجندلي الاعتراف به. هذا الابن هو الذي خلط مخترعات توماس اديسون وألكسندر بل وموسيقى بيتهوفن ومحاضرات برتراند راسل وملاحات والت ديزني وصحف العالم وأخبار الـ"سي. ان. ان" وأرشيف صوفيا لورين على شاطئ نابولي، خلطها ودسّها في جيبك.
لو ولد في حمص لحُرمَ العالم أحد أعظم عباقرته ولكان ممنوعاً على عبد الفتاح تقبّل العزاء بابنه: الوضع لا يناسب، والتعزية في الطوارئ اشتباه. لا أعرف كيف يتابع الأخ عبد الفتاح أقوال جهات الأرض عن فقدان نتيجة ذلك الخطأ البيولوجي الذي ارتكبه قبل 56 عاماً. قال قبل شهرين في مقابلة مع "نيويورك بوست" إن أمنيته الأخيرة أن يموت قبل ابنه. حتى هذه حُرمها أيضاً.
ولد لعم والدي، في فلنت، ميتشيغان، صبي كفيف. وكان العم، مثل سائر الأشقاء، ما بين فقر وكفاف. فأخذت الدولة الابن الكفيف وعلّمته ودرّبته واشترت له عصا صوّاتة وكلباً مذهلاً يمشي به ويحرسه ويرقب كل حركة حوله. وصار هذا الكفيف، حفيد شاكر الغوار، قاضياً اتحادياً، وفي كل الصور التي كانت ترسل الى الجزء غير المغترب من العائلة كان يبدو باسماً ويداعب بيده عنق كلب ضخم متأهب بحنان رائع. وعندما ذهبت للسلام عليه في فلنت، لكي أرى كيف يصبح المبصرون قضاة اتحاديين، قدّمني أولاً الى "جونيور الثالث": "جونيور، أدّ التحية لقريبنا الآتي من الوطن القديم". حرّك جونيور كتفيه الضخمتين علامة الترحيب. لا غرباء إذن في صالة الاستقبال.
طوال الوقت كنت أتساءل ماذا لو ولد حفيد شاكر الغوار كفيفاً في بتدين اللقش أو ستيف جوبس في حمص. تأملوا نهضة الأمة في بعث الأراجيل العثمانية من موريتانيا الى بيروت. أو العكس. تأملوا الرجال الذين نقدمهم الى العالم. تأملوا لو أن كاملة رحمة لم تحمل أولادها على ظهر البحر الى بوسطن حيث ينشأ جبران.
أما الموضوع الثاني، الكهرباء، فقَسَماً انني لا أعرف شيئاً عنه. فقط أرى أمهات يتظاهرن طالبات رد فظاعات التوتر العالي عن أولادهن. وأقرأ في صحف العالم أن طواحين الهواء تولّد الكهرباء في المعامل والمصانع والقرى والبيوت. لا احد ينتبه الى ثروتنا الهوائية. لا أحد يدرك أننا لا نزرع سوى الريح.
 

← Back to Selected Articles