Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

لعبة الوهم - ساطع نور الدين (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

ليس من الممتع أبداً أن يشعر اللبناني، في ذروة ازمة اقتصادية خانقة، انه في دولة وهمية تديرها حكومة وهمية وتفاوضها نقابة عمالية وهمية، وأن يحصل في نهاية مفاوضات طويلة ومثيرة، على زيادة غلاء معيشة على راتبه الشهري تختزل هذه الأوهام جميعاً وتنتج منها سراباً جديداً.
لعبة الوهم هي جزء رئيسي من تاريخ لبنان ومن عناصر وجوده، الذي كان على الدوام يحتاج الى برهان قاطع يثبت مصداقيته ويدعم شرعيته، كما كان يستدعي البحث عن أدلة دامغة على جذوره المتعددة والمثيرة للجدل والشك، التي تتراوح بين سبعة عقود او سبعة قرون او ربما أكثر. الإيهام بالوطن نجح فقط لأن اللبنانيين ملوا من مزاولة اللعبة، ولأن الآخرين سئموا من متابعة نتائجها. لكن الإيهام بالدولة والحكومة والنقابة والمؤسسة بشكل عام، ما زال يلحق الأذى بالأجيال اللبنانية المتعاقبة التي لا تزال تتوقع بعض الواقعية في التعاطي مع أمور جدية جداً.
بالأمس كانت اللعبة في ذروتها، وكانت الدولة تدّعي أنها هنا، والحكومة تزعم أنها تحكم، والاتحاد العمالي العام يدّعي أنه يناضل. وكان مواطنون كثيرون يتابعون باهتمام شديد، المعركة الاقتصادية والاجتماعية الأولى من نوعها منذ سنوات عديدة، والتي تمثل في حدها الأدنى اختراقاً مهماً للوعي اللبناني المنهمك بمعارك من طبيعة أخرى، وعلى خطوط تماس من نوع آخر. وبدا للحظات ان ثمة مشكلات لا تزال قادرة على عبور الحدود بين الطوائف والمذاهب، ولا تزال مؤهلة لاستقطاب الجمهور من مختلف أنحاء الجمهورية.
كان هناك مبرر مؤقت للتباهي، بأن دورة الإنتاج تدور، وقواها المختلفة تتنافس في ما بينها. والأرقام تتطاير والنسب المئوية تتضارب، والأوهام تزول.. مع أن كثيرين لم يكونوا يعلمون بقيمة الحد الأدنى والمهين للأجور، او الحد الأقصى الذي يخرج عن طاعة الدولة وحساباتها. كانت الحكومة وسيطاً بين أرباب العمل والعمال، مع أن صفوفها مقسمة بالتساوي بين الجانبين، اللذين لم يدخلا الى الحكم لأسباب اقتصادية ابداً.
كان هناك مبرر مؤقت أيضاً للفخر بأن السياسة بعناوينها المستحيلة، ظلت خارج المعركة، وبقيت بعيدة عن قاعات التفاوض، مع أنه كان يصعب على كثيرين أن يصدقوا أنه لم يكن هناك تساهل متبادل بين أرباب العمل والعمال، من أجل حفظ الحكومة ومنع اختبارها في الشارع الذي لا يمكن لأحد أن يضمن انضباطه في المطالب المعيشية.. ولا يمكن لأحد أن يكفل عدم اختراقه وجره الى معارك وهمية مستوحاة من وراء الحدود.
لكنها كانت معركة وهمية بامتياز. دليلها ذلك الفتات الذي وزع على العمال والموظفين ذوي الأجور المتدنية، والذي أدى الى تعليق إضراب كان يمكن ان يكون ذروة الوهم، وامتحاناً صعباً للجميع من دون استثناء، سواء كانوا داخل دورة الإنتاج الاقتصادية أو خارجها، وسواء كانوا داخل دورة الانتاج السياسي او خارجها. لأن لبنان باق الى الأبد، وشعبه صامد الى الأزل على الفكرة القائلة إن اختراع الأوهام أهم من تحقيقها.

 

← Back to Selected Articles