انحراف مجلس عسكري أم انحراف نخبة مصرية؟ - جهاد الزين (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
اذا كان "الاسلاميون" الاتراك أرقى بأشواط من الاسلاميين العرب فلأن تركيا البنية التحديثية الاقتصادية السياسية هي أرقى من بنى الدول العربية. أليس "النموذج التركي" هو لا دين للدولة خلافا للترويج السطحي الذي يقدمه كنموذج لحكم "حزب العدالة والتنمية". العلمانية سبقت هذا الحزب وتبقى بعده.
لدينا، مع الكثيرين، الكثير لنعترض عليه ضد التيارات الدينية الحاكمة او الصاعدة نحو الحكم في اي بلد عربي او مسلم.
يبدأ هذا الاعتراض من الرفض الاصلي لتوظيف الدين كمشروع سياسي مرورا بممارسات التعصب السلوكي الديني في اي مجتمع فكيف في مجتمعات متعددة وصولا الى القناعة الحاسمة ضد فكرة الدولة الدينية نفسها حتى لو أصر الاصوليون على تسميتها "دولة مدنية خاضعة لحكم الشريعة" بحجة أنه ليس في الاسلام دولة دينية !!؟
لكن هذا الموقف المبدئي لا يمنع ولا يجب ان يمنع ملاحظة أن المجلس العسكري في مصر، البلد الأكثر أهمية لمستقبل الديموقراطية في العالم العربي، يتجه حاليا نحو تلاعب واضح بنتائج أول وأوسع انتخابات ديموقراطية في مصر منذ العام 1952 وربما منذ بدأ الحكم الدستوري فيها في العشرينات من القرن المنصرم.
يتضح هذا التلاعب بل هذا الانحراف عبر اصرار المجلس العسكري على التأكيد على عدم صلاحية البرلمان المقبل تشكيل الحكومة – ولم تكن المرحلة الاولى من الانتخابات قد أنجزت بعد – ثم مع تشكيله للمجلس الاستشاري الجديد وما رافقه من تشديده خلافا للإعلان الدستوري على ان مجلسي الشعب والشورى اللذين سيُنتَخبا لن يُسمح لهما بأن ينفردا في وضع الدستور الجديد عبر الجمعية التأسيسية التي سيسميانها، ناهيك عن نوع اختيار المجلس العسكري لرئيس الحكومة الجديد كمال الجنزوري وهو احد رموز النظام السابق حتى لو كان ذا سمعة شخصية حسنة وكان مغضوبا عليه في العقد ونيف الاخير من عائلة ومحيط الرئيس السابق حسني مبارك.
لهذا من حق "حركة الاخوان المسلمين" الفائزة عبر حزبها "الحرية والعدالة" بالمرحلة الاولى من الانتخابات (التي تجري مرحلتها الثانية هذا الاربعاء) ان تعترض على سلوك المجلس العسكري من حيث سعيه للالتفاف على الاتجاه العام للاختيار الشعبي. مع العلم أن هذا السلوك أثار غضب الحركات الشبابية التي اعتبرت في اختيار الجنزوري محاولة واضحة لتحويل سقوط حسني مبارك الى ترسيخ لمعادلة "سقوط الرئيس وليس سقوط النظام" وهذا ماجعل الحركات الشبابية وعن حق ترى هذا السلوك منافيا جوهريا لثورة 25 يناير التي تشكل النخبة الشابة المدينية طليعتها، بل هؤلاء الشباب هم أبطالها وان كانوا ليسوا صانعيها وحدهم قطعا. هذا ايضا على الرغم من الحذر بل الرفض في هذه البيئة الشبابية للتيارات الدينية ومخططاتها المفترضة لضبط المجتمع المصري بقوالب رجعية ان لم تكن خطرة، ليس فقط على الوحدة الوطنية والاقتصاد بل اساسا على شخصية مصر المنفتحة التعددية في الثقافة والاجتماع.
من المفهوم ان هذه المخاوف والهواجس تؤدي الى دفع أجزاء مهمة من النخبة الليبرالية واليسارية والعلمانية التقليدية في مصر، ومنها من شارك في الحكم في العهود السابقة... الى دفع هؤلاء نحو تشجيع المجلس العسكري على الامعان في سياسة الالتفاف على نتائج الانتخابات وبينهم حتى من أيدوا الثورة ولكنهم يدعون الى تضمين الدستور الجديد مادة تعطي المؤسسة العسكرية حق التدخل تحت بند الحفاظ على شخصية الدولة المدنية او حسب صيغة اقل مباشرة واكثر ذكاءً اعطاء الجيش صلاحية تحديد المخاطر على الامن القومي. وهذا يعني انه لدى النخب المصرية نموذجان تركيان لا نموذج تركي واحد، بعضها يناسبه احدهما والبعض الاخر يناسبه النموذج الثاني. وهذا في الواقع التباس لا تقع فيه حاليا النخب المصرية وحدها بل الكثيرون في العالم العربي والعالم.
الاول هو النموذج القديم اي الاتاتوركي الذي سلّم المؤسسة العسكرية منذ العام 1923 صلاحية حماية الصيغة العلمانية للدولة. اما النموذج الجديد فهو وصول حزب من خلفية اصولية الى السلطة عبر الانتخابات مرة عام 1996 ("حزب الرفاه" بقيادة نجم الدين أربكان) وثلاث مرات بعد عام 2002 ("حزب العدالة والتنمية" بقيادة رجب طيب اردوغان) هذا دون ان ننسى موقع نائب رئيس مجلس الوزراء الذي عين فيه نجم الدين اربكان عام 1974 في حكومة بولند اجاويد الائتلافية بعد فوز حزب اربكان (السلامة الوطني) بخمسين مقعدا في الانتخابات (وشارك في اتخاذ قرار التدخل العسكري في قبرص).
النموذج القديم ضعُف لاشك مع ضعْف الدور السياسي للجيش وهذا تقدم ديموقراطي... ولكن النموذج الجديد في العمق هو نموذج عابر لأنه سينتهي مع سقوط "العدالة والتنمية" في اول انتخابات يسقط فيها وهذا ما لا بد ان يحصل ذات يوم عاجلا ام آجلا اذا كان التطور الديموقراطي التركي سليما. دعونا هنا نذكِّر بملاحظة متداولة شفهيا لكنها لا تُكتب بهذه الصيغة "الفجة": اذا كان "الاسلاميون" الاتراك أرقى بأشواط من الاسلاميين العرب فلأن تركيا البنية التحديثية الاقتصادية السياسية الشاملة هي أرقى من بنى الدول العربية. مستوى الاسلاميين اذن هو نتيجة مستوى بلدانهم. لذا كان رأيي دائما ان قوة تركيا هي التي تفسر قوة "حزب العدالة والتنمية" وليس العكس حتى لو قادها هذا الحزب بنجاح، اقتصادي اساسا، في معظم السنوات العشر الأخيرة.
أليس "النموذج التركي" الاصلي هو لا دين للدولة و انما الدين للمجتمع، خلافا للترويج السطحي الذي يقدمه اليوم على انه نموذج "حكم حزب العدالة والتنمية". العلمانية سبقت هذا الحزب الذي جاء نتيجة لـ"تربيتها" التي تولّدت من خبرات وجهود ونجاحات وأخطاء أجيال عديدة سبقته. وهذا الحزب مثّل احد نجاحات التحديث التركي الاقتصادية السياسية حتى فترة قريبة عادت مهددة بسقوف داخلية على رأسها الوضع الكردي المتفجر بشكل خطر الى حد انها تكاد تحول او هي حولت الحزب الحاكم في الموضوع الكردي الى حزب قومي متطرف! لكن العلمانية ستبقى بعد "العدالة والتنمية" بنجاحاته وقصوراته أيضا. مع التذكير انه في الحالات العربية جميعا باستثناء الحالتين التونسية واللبنانية لم يتلازم حكم الجيوش غير الديموقراطي مع نصوص على دولة علمانية وانما العكس كان هناك تأكيد على الاسلام كدين للدولة وعلى دين رئيس الدولة كمسلم في كل الدساتير.
كان ذلك هو الطابع التوفيقي لـ"العلمانية" العربية العسكرية والحزبية في مصر والعراق وسوريا والجزائر. مقاومة محدودة وفاشلة حصلت في سوريا في عهد الرئيس امين الحافظ و"القيادة القومية" العفلقية البيطارية لكن تمردا كبيرا في مدينة حماة عام 1964 التي كان عبد الحليم خدام محافظا لها حال دون التمادي البعثي بالغاء مادة دين الدولة في الدستور. وحصل الامر نفسه في بدايات عهد الرئيس حافظ الاسد الذي اكد على مادة دين رئيس الدولة بعد احتجاجات في دمشق العاصمة ضد الغائها.اما في مصر فلم يُطرح موضوع الغاء دين الدولة بل لم يفكر به أحد يوما حتى في عهد الرئيس جمال عبد الناصر بسبب البنية التاريخية للدولة المصرية منذ الفتح الاسلامي كدولة مسلمة بموافقة الكنيسة القبطية. و في العصور الحديثة نظرت الدولة الملكية لنفسها خصوصا بعد سقوط الامبراطورية العثمانية كدولة خلافة! وأقصى ما ينتقد به بعض الازهريين عهد عبد الناصر – وبينهم شيخ الازهر الحالي الدكتور الطيب - هو سيطرة الدولة البالغة على مؤسسة الازهر او بتعبير آخر اضعافها.
لهذا فإن فوز "الاخوان المسلمين" بانتخابات مجلس الشعب يثير مخاوف ما يمكن تسميته الانتقال بمصر من دولة مسلمة الى دولة اسلامية اي من الشكل "القومي" للعلمانية العربية المحافظة الى الشكل "الاخواني" للدولة الدينية المضغوطة عن يمينها بالتيار السلفي.
اولا: هذه مخاوف ينقصها الاختبار العملي. فالسياق الذي يأتي فيه "الاخوان" الى السلطة هو سياق تحول الحركات الدينية الرئيسية الى نماذج مشدودة نحو انماط الاحزاب المحافظة على غرار التيار المسيحي الديموقراطي في اوروبا. أليس هذا التحول جزءا جوهريا من "صفقة" تاريخية مفترضة تعكسها روحية "الربيع العربي" كتحول نحو الاسلام الديموقراطي؟
ثانيا: على فرض ان "الاخوان المسلمين" يخفون أجندة سرية لدفع مصر نحو دولة دينية فلماذا التقليل من، بل الاستخفاف بِ، قدرة التيارات الليبرالية واليسارية والمحافظة كمؤسسة الازهر والاجهزة الادارية في مؤسسات الدولة والاقباط على مقاومة فعالة وديموقراطية تحبط هذا النزوع الاصولي لاسيما ان التيارات الدينية مقابل قوتها الشعبية الراهنة هي ضعيفة جدا بل تكاد تكون معدومة الحضور بين النخب الثقافية والاعلامية الرئيسية بحكم الفجوة العميقة مع الاوساط المتحررة و"الابداعية"، حيث ليس هناك اسم كبير واحد تقريبا لشاعر او روائي اورسام او مسرحي او ممثل، أكان امرأة او رجلا، محسوبٌ على "الاخوان" فكيف بالسلفيين الجدد المعادين أصلا لهذه المستويات من النشاط الثقافي.
لقد عبرت أسماء ثقافية اصبحت من رموز الثورة كعلاء الأسواني وغيره عن قلقها من النزوعات السلطوية الاخيرة للمجلس العسكري رغم مسافتها المحسومة عن "الاخوان المسلمين". حتى مرارة شخص من وزن جورج اسحق مؤسس وأول أمين عام لحركة "كفاية" في الانتخابات الاخيرة في بورسعيد حيث ووجه بـ"حرب دينية" لن تدفعه الى الموافقة على خطوات غير ديموقراطية في المستقبل.
في النتيجة لا يمكن تلافي تجربة وصول الاسلاميين الى السلطة لكي يصبح ممكنا خضوعهم لمسؤوليات المحاسبة. وكل تأخير خصوصا بالتفافات غير ديموقراطية في بلد كمصر سيُبقي صعودهم الشعبي متواصلا، وسيؤخر الامتحان الحقيقي الصعب لهذه التيارات التي بدأت من الآن ترسل اشارات او تأخذ قرارات في اتجاه عدم قدرتها على ادارة الحكم وحدها.