Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

تفاقم الأزمات يبدّد الحيوية - مروان اسكندر (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

تظهر مؤشرات الاقتصاد اللبناني للاشهر الـ11 الاولى من سنة 2011 انه على حافة التأزم، وفي الوقت ذاته تبرز مؤشرات مفاجئة عن تحسن الأداء، ربما لاسباب خارجة عن مساعي الحكم.
السياحة الى انكماش، ومعدلات امتلاء الغرف في الفنادق انخفضت من 68 في المئة في 2010 الى حدود الـ50 في المئة هذه السنة. المبادلات العقارية تقلصت بنسبة 20 في المئة وفي المقابل ارتفعت بقوة المستوردات بعدما كانت انحسرت خلال الصيف، وارتفعت موجودات المصارف بنسبة 8٫5 في المئة بعد ان كانت على مستوى سبعة في المئة حتى نهاية شهر ايلول، وتعاظم الفائض الاولي في حسابات الميزانية مع تحسن العائدات على مستوى 10 في المئة يدل إما على تحسن في التحصيل، مع تجمد الانفاق لتأخر اقرار الموازنة، واما الى ارتفاع الانفاق الاستهلاكي وانتعاش الحركة الاقتصادية.
البعض يرتاح الى ان الوضع في لبنان قياساً بما هو في سوريا، والاردن، ومصر افضل الى حد بعيد، وهذا الامر الظاهر في الحياة اليومية، لكن ما يمنع لبنان من الاستفادة من الظروف التي تمر بها المنطقة هو التباعد السياسي المقترن بتفارق مذهبي، ووضع كهذا لا يدعو الى الاطمئنان، كما ليس ثمة برنامج واضح للتجهيز البنيوي على الاقل يطمئن اللبنانيين الى توافر الخدمات الاساسية مستقبلاً على مستويات تضاهي ما هو متحصل في المجتمعات الحديثة.
القلق حيال النيات والعلاقات الداخلية بين اطياف المجتمع اللبناني يطمر الطموح والتوقعات الايجابية، ومناخ عدم الاستقرار يتحسسه الاخوان العرب ممن يعرفون لبنان جيداً ويتعجبون لاغراق اللبنانيين في اضاعة الفرص التي لن تعوض، وكل ذلك عن سبيل التصريحات النارية، واحياناً البذيئة من هنا وهنالك ممن تولوا، نتيجة قانون الانتخاب السائد، مناصب لم يرتقوا الى مستوى مسؤوليتها.
ان المشهد اللبناني، وخصوصا في فترة ما قبل أعياد نهاية السنة، يزهو بألوان واعدة، من كتب جديدة ذات اهمية توافرت في معرض الكتاب، الى ندوات مهمة في مواضيع تتعلق بحقوق المرأة، ومسؤوليات الاعلام، الى حفلات فنية متاحة لجميع اللبنانيين. في المقابل، هنالك تمدد لغيمة سوداء تخيم على حياة اللبنانيين، وعلى مستقبل لبنان، وأثقال هذه الغيمة لن تزول ما لم يتبدى جهد حضاري تخطيطي تعويضي انمائي وهذا الجهد لن يتوافر في مناخ سياسي منهك بالاهتمامات اليومية الملحة وتاليا مناخ لا يشجع على التفكير الطويل المدى وعلى وضع مشاريع القوانين لتحقيق النتائج الايجابية، وان وضعت قوانين كهذه لا تظهر المؤسسات التي تكفل حسن التنظيم والتنفيذ وقعها.
ولنأخذ مثلا واضحا عن قضية شائكة ومضرة بالاقتصاد والصحة معروفة تفاصيلها منذ عشرات السنين ووضعت دراسات عنها، لكن معالجتها لم تأخذ طريقها الى التنفيذ على نطاق يوازي اهمية المشكلة.
اننا نتحدث عن مشكلة السير، وعن اختناق العاصمة يوماً بعد يوم، وعن هدر أوقات المواطنين على الطرق، وعن ازدياد تكاليف البنزين بسبب تقطع السير، وعن ارتفاع كلفة الاستيراد على حساب ميزان المدفوعات، وفي الوقت ذاته نهدر 280 مليون دولار دعماً للسائقين العموميين اللبنانيين عبر الصندوق الوطني وعطاءاته الصحية، ونتيجة رديات البنزين. واذا اضفنا الى هذه المبالغ الـ200 الف ل. ل. المفترض انها تعويض لانتقال الموظفين شهرياً واحتسبنا ان هنالك 500 الف موظف يتقاضون هذه المخصصات، تصير نفقات الهدر على النقل المشار اليها اعلاه 280 مليون دولار يضاف اليها 100 مليار ل. ل. شهرياً من مخصصات النقل او ما يزيد على 66 مليون دولار شهرياً، او 800 مليون دولار سنوياً.
ان المال المهدور على النقل والمخصص للنقل يوازي اكثر من مليار دولار سنوياً، واي تفكير في موضوع تأمين نقل عام منتظم ترافقه اجراءات فرض ضرائب على استعمال الطرق والدخول الى بيروت براكب او اثنين فقط في كل سيارة يؤدي الى ابتكار برامج تساهم في تحسين سرعة السير وخفض فاتورة استيراد البنزين، وفي انخفاض نسبة التلوث في الجو، وانخفاض شكاوى الناس من تضييع الوقت على الطرق وحرق الاعصاب في زحمة السير.
ان مشكلة السير من المشاكل الرئيسية في لبنان، والمشكلة تشمل الجميع، والوقت الذي يهدر على الطرق، كما كميات البنزين الإضافية التي تحرق نتيجة الازدحام، اذا احتسبت إضافة الى مخصصات الهدر والنقل المشار اليها اعلاه، تبين ان ما يوازي 10 في المئة على الاقل من الدخل القومي يمكن تعداده بمثابة ضريبة ناتجة من قلة التنظيم والاحتراز والتخطيط المستقبلي لحاجات عادية.
حينما نرى مدى الاهمال الذي يعمق مشكلة السير ونتائجها السيئة، ونلتفت الى المشكلات الاخرى مثل توافر المياه بالكميات المطلوبة والنظافة الضرورية، وتوافر الاتصالات على مستوى جيد من الاعتمادية، وتوافر الكهرباء من دون انقطاع، والتخريب في ادوات الطبخ والتلفزيونات والمصاعد الخ، نفهم لماذا تخيم غيوم سوداء فوق نفوس اللبنانيين وتوقعاتهم، ونفهم لماذا صارت الهجرة افضل السبل لتلقف حياة حضارية في الخارج.
الامر الذي لا نقر به، ولا يسمح لنا بالمصارحة فيه، هو ان الطبقة الحاكمة في غالبيتها المطلقة لا تستحق تحمل مسؤولية الحكم، بل حتى مسؤولية تسيير اوضاع دكان صغير، وربما لهذا السبب بات لبنان يعج بالدكاكين، ويخسر في الوقت ذاته المعطائين والموهوبين ممن يتركوننا، وربما يرجعون يوماً اذا نحن برهنا على اننا متحضرون.
 

← Back to Selected Articles