مهزلة الاحتجاج - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
وظيفة الإضراب، أي إضراب أن يحدد بدقة المسافة الفاصلة بين السلطة والمعارضة، على اساس المصالح والبرامج والآراء والرموز، وأن يعلن أن الحوار والتفاوض بين الجانبين قد انقطع، وان الشارع بات هو الحَكَم.
يستحيل إسقاط هذا المنطق على إلاضراب في القطاع التعليمي أمس، حيث يصعب العثور على السلطة وتعريفها بوضوح أو على المعارضة وتصنيفها بوضوح أيضاً... ربما كانت المهمة أسهل بعض الشيء عندما يتم النظر الى الأسفل الى القاعدة الاجتماعية، حيث يمكن التحقق من وجود ما يسمى بطبقة عاملة، وشريحتها الكبرى المنتشرة في القطاع العام، باعتباره رب العمل الاكبر والأقوى في الجمهورية.
هذا في التقديم، أما في آلتفصيل، فإن الإضراب التعليمي كان مجرد نزهة في الشوارع، وعطلة في المدارس، يستعيد ذكريات الماضي البعيد عن حركة نقابية تربوية وعمالية، كانت تتشكل وتتبلور وتتمتع بالحضور والنفوذ قبل أن تجرفها الحرب الاهلية وتفتت هياكلها، اكثر مما يؤسس لتيار نقابي يسد فراغ الاحزاب والأيديولوجيات والأفكار، ويردم الهوّة السحيقة ذات المصادر الالهية بين الطوائف والمذاهب.
أن يمضي الإضراب بسلام وأن تمر التظاهرة النقابية من دون اشتباك، هو الإنجاز الوحيد الذي يمكن أن يُسَجَّل للحركة النقابية اللبنانية. طوال ساعات النهار كان الخوف الجدي هو أن ينسى المضربون والمتظاهرون مطالبهم النقابية ويشرعوا في تصفية حساباتهم السياسية في الشارع الذي جمعهم صدفة من غير ميعاد، وقرّب بين ذوي القمصان السود والصفر والزرق والبرتقالي في مسيرة واحدة ضد خصم افتراضي واحد، كان مؤيدوه في التظاهرة الاحتجاجية اكثر من معارضيه المنادين باسقاطه.
كانت التظاهرة أشبه بتظاهرات الشبّان والشابات الذين نزلوا الى الشوارع في وقت سابق من العام الحالي للإلتحاق بالربيع العربي والمطالبة بإسقاط النظام الطائفي، والذين انضم اليهم وتقدم صفوفهم ممثلو ذلك النظام واركانه واشد المدافعين عنه والمستفيدين منه، فتحولت الحركة الشبابية اللبنانية الى مهزلة، قبل ان يصاب قادتها بالكآبة.
تظاهرة الأمس، سارت على هذا المنوال. زعم الجميع أنهم معارضون للحكومة وقراراتها الاخيرة. وادعت الحكومة أو معظم أعضائها انهم هم المعارضة التي لا يُشَقُّ لها غبار، ولا يمكن أن تشرى او تباع. كان مندوبوها في الصفوف الأمامية، لتفادي الاختراقات، ولتجنب الدعوة الى إسقاط ما لا يمكن اسقاطه في الشارع ولا يمكن ابقاؤه في الشارع أيضاً.
لم تكن المفارقة الاولى من نوعها حيث يستحيل التعريف او الفصل بين الموالاة والمعارضة. فهذا تقليد لبناني فريد أرسي بعد الحرب الاهلية وصار من المعضلات الجوهرية للمجتمع والدولة والمؤسسات والنقابات، التي يقال انها في مرحلة اعادة بناء بينما هي في الواقع في مرحلة اعادة هدم، تأتي على ما تبقى من الذاكرة اللبنانية.
كانت التظاهرة واحدة من أغرب التظاهرات في العالم، حيث خرج الجميع منها منتصرين، الحكومة التي استوعبت الشارع والأساتذة الذين عبّروا عن غضبهم والطلاب الذين استمتعوا بعطلة غير متوقعة، من دون ان يعرفوا ضد من كان الاحتجاج الذي كاد يبدو وهميا مع ان عنوانه جدي جداً.