Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

كرنفال كركلا - ساطع نور الدين (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

حتى ابتسامة الراقصات صارت أحلى، وضحكة الراقصين أوضح، وباتت الفرقة كلها جسداً واحداً أكثر رشاقة وأشد انسجاماً على أنغام تتسارع وتتباطأ على إيقاع مؤثر: أصبح الرقص عبادة وصلاة.
لم يكن الرقص الشرقي يوماً كفراً وإلحاداً. على مر التاريخ كان جزءاً من إيمان ما، تعبيراً عن عقيدة او مذهب او طريقة، تجلياً لمرتبة عالية من تحرر الجسد وتصوف الروح. كان بمثابة ديانة ثانية، لا تستقيم من دونها الديانة الأولى الأصلية، ولا تنتشر.
لم يغادر عبد الحليم كركلا هذا التراث أبداً. اشتغل عليه برهافة شديدة وحرفية دقيقة، ودفعه الى حده الأقصى، الذي يجتذب أتباع جميع الديانات، وممارسي مختلف الطقوس، ويغوي المؤمنين والكفار على حد سواء، ويدعوهم الى عالمه الخاص، الى مسرحه المفتوح على جميع عوالم الرقص وألوانه المشرقية المضيئة، ولوحاته الباهرة.
من اللحظة الأولى، يتكون الانطباع بأن ثمة فناناً وفرقة تطلعت الى العالمية فأدركتها، وصار عرضها السنوي جزءاً من تقليد وطني سرعان ما يخرج من الحدود ويفتح الآفاق القريبة والبعيدة ليقدم صورة مغايرة عن بلد ممسوس ومشوه على بقية المستويات.
صلّت الفرقة بشغف وعشق وخشوع، اعتمدت على ألحان وتنويعات موسيقية متجددة، لا يحاصرها التراث وآلاته التقليدية، ولا يمنعها من الانطلاق نحو أشكال الرقص العالمية من الباليه الروسي الى الفالس الأوروبي الى السامبا اللاتيني الى الراب الأفرو أميركي.
زادت الفرقة بهاءً بأزياء مشرقة لم يسبق ان شوهد مثلها على مسرح لبناني من قبل، أبدعتها أنامل فنان مرهف الإحساس شديد الحرص على ان يبلغ الكمال، وأن يقدم اجمل اللوحات الراقصة التي تنحفر في الذاكرة ولا تخرج منها، وأن يحفظ أجمل الأصوات الغنائية التي لا تشيخ ولا تنسى.
لكن، كان النص دون هذه المرتبة. فكرة مكررة ومعادة، وحوار مستعار من مسرحيات وغنائيات قديمة، عن الضيعة نفسها التي لم تعد ضيعة، والتي تنقسم بين حارتين، مع أن القسمة هي اليوم داخل الحارة الواحدة، وعن الحب الذي يصطدم بتحدي التقاليد والفوارق الاجتماعية ثم ينتصر...
ليست الضيعة مكاناً لائقاً بالعرض العالمي بكل ما للكلمة من معنى. فقد تركها أهلها وهم لا يعودون إليها إلا لتسوية خلاف مع الباقين فيها على أرض أو زرع أو ماء، أو لتأجيج نزاع على مذهب أو حزب أو حركة أو تيار. كان يمكن بسهولة الاستغناء عن النص البسيط والحبكة الأبسط، والاكتفاء بتعبد الرقص وآلهته والبقاء مع كهنته. كان يمكن بسهولة اكثر اختيار موضوع أعمق أو أحدث من خارج الضيعة التي صارت مدينة ومن داخل المدينة التي صارت ضيعة.
فهذا وحده كاف للإيذان بأن كرنفال الرقص اللبناني قد بدأ، او وصل الى العاصمة.

 

← Back to Selected Articles