Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

المخاوف المسيحية.. لبنان نموذجاً - محمد السماك (المستقبل)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

انتهى "الربيع العربي" بفوز "الإسلاميين".
بهذه العبارة يمكن اختصار مقال افتتاحي لمجلة "الإيكونوميست" البريطانية متصدراً تحقيقاً صحفياً حول نتائج الانتخابات في مصر.
ففي المغرب كلّف الملك محمد السادس، الاسلامي عبد الإله بن كيران برئاسة الحكومة الجديدة بعد فوز حزب العدالة والتنمية الذي يترأسه في الانتخابات.
وفي تونس فاز حزب النهضة الذي يتزعمه راشد الغنوشي بالأكثرية في البرلمان الجديد.
وفي ليبيا ما بعد القذافي، تعهدت الحكومة الجديدة باعتماد الشريعة الاسلامية.
وفي سوريا تتبوأ حركة الأخوان المسلمين موقعاً قيادياً في حركة التغيير التي تستهدف إسقاط النظام.
وفي السودان أعلن الرئيس عمر البشير انه بعد انفصال الجنوب، أصبح الطريق سالكاً أمام "تطبيق الشريعة".
وفي اليمن تقود الحركات الاسلامية حركة التغيير في صنعاء وتعز وحتى في عدن.
أما في مصر فان فوز حركة الأخوان المسلمين بأكثرية المقاعد النيابية لم يعد وحده مصدر الاهتمام، ولكن فوز حزب النور الذي يمثل السلفيين الأشد تطرفاً، ضاعف من حجم علامات الاستفهام حول طبيعة مرحلة ما بعد "الربيع العربي".
تشير هذه الوقائع الى ان موجة المد الاسلامي تحولت الى موجة عارمة اشبه ما تكون "بالتسونامي"، التي تجرف كل ما يعترضها. وهذا ما يقلق مسيحيي الشرق ويخيفيهم. يضاف الى ذلك سيطرة الاسلاميين على السلطة في كل من تركيا وإيران، وهما الدولتان اللتان تشكلان مع الدول العربية خريطة الشرق الاوسط.
غير ان هذا الشرق الأوسط ليس اسلامياً كله. وليس عربياً كله. هناك جماعات مسيحية كبيرة سبقت في وجودها الاسلام. وهناك جماعات اثنية (عنصرية) كبيرة أيضاً مثل الأكراد في المشرق والأمازيغ (البربر) في المغرب، تتمسك بهويتها وتحرص على لغتها وثقافتها. ثم ان هناك اسرائيل التي أعلنت عن نفسها دولة دينية دولة لليهود- والتي تشهد تراجعاً سريعاً لمقومات المجتمع المدني، واجتياحاً ساحقاً لمقومات المجتمع الديني المتشدد.
ومن هنا تبعث قضية الأقليات من جديد ببعديها العنصري والديني(وحتى المذهبي).
في البعد العنصري، استطاع الأكراد إقامة نواة لكيانهم في شمال العراق. وهم لا يزالون في حالة صراع مع كل من تركيا وايران حيث توجد أقليات كردية كبيرة. كما انهم في سوريا يشاركون في حركة التغيير على أمل التكامل مع اخوانهم في المثلث العراقي الإيراني التركي.
واستطاع الأمازيغ في المملكة المغربية أن يحصلوا على اعتراف رسمي بلغتهم لتكون لغة رسمية الى جانب العربية. ولغة تعليم في مدارسهم. ولغة الاذاعة والتلفزة أيضاً. ولهم أحزابهم السياسية الممثلة في مجلس النواب. وهم يحاولون انتزاع مثل هذه الحقوق في الجزائر كذلك.
وفي البعد الديني فان الأقباط في مصر يرسمون علامات استفهام كبيرة حول مستقبلهم في دولة قد يحكمها الاسلاميون، سواء كانوا من حركة الأخوان المسلمين أو من حركة النور، أو من تحالف الحركتين. وهم يتساءلون بقلق: أي دستور جديد سيكون لمصر وأي موقع للشريعة الاسلامية فيه؟ ؛ لقد سبق أن اعترضوا على المادة الثانية من الدستورالتي تنص على ان الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع- وحاولوا تعديلها دون جدوى. فكيف سيكون الأمر إذا ما آل الأمر الى الاسلاميين في المستقبل القريب كما تشير الى ذلك نتائج الانتخابات البرلمانية؟
وفيما يراقب المسيحيون في الأردن بقلق تطور الأوضاع الداخلية في ضوء تصاعد حضور حركة الاخوان المسلمين، تتواصل هجرة المسيحيين من العراق بعد استهدافهم على خلفية دينية. أما مسيحيو سوريا فانهم يشعرون بأنهم واقعون في مأزق لا يعرفون كيف يخرجون منه. فالنظام سيئ، ولكن هناك الخوف من أن يكون البديل أسوأ.
لقد نظم مجلس الكنائس العالمي في جنيف لقاءً مغلقاً مع قادة وممثلي الكنائس في سوريا حصراً- للبحث عن مخرج ما وللاتفاق على موقف مشترك. ورغم سرية اللقاء، فان النتائج التي أسفرت عنه لم تكن سرية، لأنها لم تكن إجماعية. ولقد تبين لهم انهم اذا وقفوا مع النظام، خسروا "الربيع العربي". واذا وقفوا مع حركة التغيير خسروا التودد الحالي الذي يبديه النظام نحوهم، من دون أن يطمئنوا الى ودّ الاسلاميين الذين قد يصنعون النظام الجديد.
أما في لبنان وهو محط أنظار وآمال المسيحيين العرب عامة وواحتهم الآمنة- فان رد الفعل المسيحي كان مختلفاً ومن الطبيعي أن يكون مختلفاً-. ففي غياب الاطمئنان الى النتائج الأولية "للربيع العربي"، في ضوء تصاعد نفوذ الحركات الاسلامية، وفي ضوء تراجع دور وتأثير الحضور المسيحي في الدول العربية التي تشهد حركات التغيير، اتخذ المسيحيون مبادرة جديدة، أو أبدوا رغبة في اتخاذ مبادرة جديدة.
تتمثل هذه المبادة في اقتراح جديد يدعو الى تمكينهم من انتخاب ممثليهم في البرلمان مباشرة. أي أن ينتخب المسيحيون نوابهم، وأن ينتخب المسلمون نوابهم. وذلك لضمان صحة التمثيل الطائفي وسلامته.
يخرج هذا الاقتراح عن اطار اتفاق الطائف 1989. فالاتفاق نصّ على الغاء الطائفية ووضع آلية عملية للانتقال الى الوضع اللاطائفي. كما نصّ على أنه لا شرعية لكل ما يتناقض مع مبدأ العيش المشترك. والواقع أن تجاوز الطائفية كان هدفاً أكد عليه الدستور اللبناني الاستقلالي الأول.. ثم ان هذا الاقتراح لا يعكس روح البيان التوجيهي الذي صدر عن الفاتيكان اثر انعقاد السينودس حول الشرق الأوسط، والذي حضره جميع الأساقفة من دول المنطقة كافة.
غير ان التخوف من أحداث "الربيع العربي" وما اسفرت عنه هذه الاحداث حتى الآن من تقدم كبير وسريع للحركات الاسلامية، ربما كان الدافع الرئيس جديداً وراء هذا الاقتراح. فالاقتراح يعكس الخوف على الذات وعلى الخصوصية. وهو خوف مشروع ومبرر. الا انه في المحصلة الوطنية العامة، مبادرة سلبية. ولكن ثمة ما هو أكثر سلبية، وهو الهجرة بما تعنيه من فقدان للأمل بالعيش المشترك. وهو ما قام به مسيحيو العراق مثلاً. لم يتحمل العراق تبعات الهجرة المسيحية الواسعة. فقد تصدعت وحدته الوطنية وخسر مكوناً أساسياً من مكوناته التي لا يكتمل من دونها. أما الهجرة المسيحية من لبنان فتشكل خطراً أعمق وأشمل واشد على وحدته الوطنية. فاذا كان العراق يستطيع أن يستمر ولو مشوّهاً- من دون المسيحيين، فان لبنان لا يستطيع أن يبقى من دونهم. بل انه يفقد حتى مبرر وجوده. ومن هنا ضرورة التعامل مع المبادرة المسيحية اللبنانية الأرثوذكسية المتمورنة- رغم سلبيتها، على أنها تترجم حالة الخوف والقلق على المصير، وليست مبادرة لتطوير أو لتحسين النظام السياسي. وانها تعكس ارادة المحافظة على الذات، أكثر مما تعكس رغبة في التقوقع والانعزال أو الانسحاب من العيش الوطني المشترك.
وفي الأساس فان الظروف السيئة تنتج تشريعات سيئة. غير أن الظروف السيئة مرحلية ومؤقتة، أما التشريعات فانها مستمرة ودائمة. ولذلك فان من المهم التعامل بجدية مع المخاوف المسيحية في لبنان وفي الدول العربية الأخرى، على انها مخاوف حقيقية وجدية. وعلى أن تجاوزها أو حتى التقليل من أهميتها، يدفع بالخائفين الى التوجه بعيداً بحثاً عن الطمأنينة والأمان. وهو ما يعكسه الاقتراح بأن تنتخب كل طائفة نوابها، الأمر الذي يحوّل مجلس النواب الى مجلس مِلل. كل ملّة تغني على ليلاها.
صحيح ان الاقتراح لا يدير الظهر كلياً الى صيغة العيش المشترك ولكنه يعيد رسمها على أسس "تمثيلية طائفية" جديدة تمليها مشاعر الخوف على الذات أكثر من مشاعر الاطمئنان الى الآخر. من هنا أهمية بل وضرورة العمل على تبديد مشاعر الخوف انطلاقاً أولاً من الاعتراف بوجودها، وثانياً من تفهم أسبابها، وثالثاً من العمل على إزالة هذه الأسباب حتى لا يتحول الاقتراح الى كرة ثلج تتدحرج متضخمة فوق حقول "الربيع العربي".
قد يوفر اعتماد هذا الاقتراح علاجاً لحالة قلق وخوف المسيحيين اللبنانيين، ولكنه علاج مؤقت، وهو علاج مخدر اشبه ما يكون بحبة الأسبرين. وقد يشجع مسيحيي الدول العربية الأخرى على المطالبة بمثله، وخاصة في مصر وسورية والأردن والعراق، الا ان رد الفعل قد يكون أشد إيلاماً. فقد يقلب صيغ العيش المشترك رأساً على عقب.
لا يزال "الربيع العربي" في مطلعه. وهو لم يزهر بعد. وما كشفته صناديق الاقتراع حتى الآن يثير قلق العرب عامة بمن فيهم المسلمون، وليس المسيحيين وحدهم. والقلق كالأمل قوة جامعة. ان الانسحاب المسيحي من عملية صناعة المستقبل يشوه هذا المستقبل، الا انه يشوه أكثر صورة المنسحبين من هذه العملية.. لأن انسحابهم في الحسابات الاخيرة هو انسحاب من المستقبل. وما عرف الشرق مستقبلاً من دون المساهمة المسيحية الإيجابية والبناءة.

 

 

← Back to Selected Articles