قضية الغاز حاضراً ومستقبلاً - مروان اسكندر(النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
برنامج وزير الطاقة الذي يدعو الى فتح مجال استدراج عروض البحث والتنقيب عن النفط والغاز ومن ثم متابعة أعمال التطوير والانتاج هو مدخل لطمأنة اللبنانيين الى توافر الطاقة النظيفة والتي تساهم في خفض تكاليف انتاج الكهرباء وجميع الصناعات والمؤسسات التي تعتمد في نشاطها على استهلاك الطاقة بكثافة، كما ان اكتشاف الغاز امر يسهل انشاء مصانع البتروكيماويات والاسمدة وكلا الامرين مفيد للبنان واقتصاده في المستقبل.
ان ابحاث التنقيب والتطوير تستغرق وقتاً ليس بقصير وقد تنقضي خمس الى سبع سنوات قبل بدء توافر الغاز والنفط من مكامن في مياهنا الاقليمية او على الاراضي اللبنانية، وثمة تطورات اقليمية ودولية لا بد من الانتباه اليها عند وضع تصوراتنا المستقبلية لاستعمالات الغاز والنفط والفوائد التي يمكن ان تتوافر للبنان.
في المستقبل القريب، وقبل امكان انتاج الغاز خلال بضع سنوات، شرط انجازنا عملية استدراج العروض وفضها خلال فترة ثلاثة اشهر، وهذه انطلاقة جيدة لوزارة الطاقة، يمكننا ان نحقق من جديد احياء لعملية استيراد الغاز الطبيعي من مصر، عبر الاردن وسوريا، وقد تسلمنا كميات من الغاز المصري في السابق ودفعنا اخيرا مستحقات عن واردات الغاز، والامر الجديد على مستوى المنطقة هو ان توافر الغاز المصري صار اكثر سهولة، وعلى الارجح بأسعار مخفوضة.
ذلك ان اكبر عقد لتصدير الغاز المصري موقّع مع اسرائيل. وكما هو معلوم، تعرض خط التصدير للتخريب اكثر من مرة منذ انطلاق ثورة شباب مصر قبل سنة، وتاليا انفسح مجال الشكوى للاسرائيليين. لكن اكتشافات الغاز في المياه الاقليمية لفلسطين، المتاخمة للمياه الاقليمية اللبنانية، تؤمن كميات من الغاز تفوق تلك المتعاقد عليها مع مصر، وتاليا تنحسر الحاجة الإسرائيلية الى الغاز المصري مع ازدياد الانتاج المحلي الذي يقدر ان يكفي كل الحاجات المحلية وان يتيح التصدير بعد انجاز مصانع لتسييل الغاز.
هذه هي الصورة على الصعيد الاقليمي، ولا بد هنا من النظر الى الصورة الدولية لخريطة الطلب على الغاز وتوافره عالمياً.
شهدت السنوات الاخيرة توجهاً نحو اعتماد الغاز الطبيعي في منشآت انتاج الكهرباء، سواء في اوروبا الغربية، ام اليابان ام الولايات المتحدة، وذلك لاسباب ترتبط بفاعلية الغاز الطبيعي كمصدر للطاقة من جهة، وتدني نسبة التلوث من استعمال الغاز في منشآت توليد الكهرباء، وعطفاً على ذلك امكان انتاج الكهرباء باسعار معقولة، خصوصا ان اسعار الغاز قياساً بالطاقة الحرارية كانت دوماً اقل من اسعار النفط ومشتقاته السائلة التي تستعمل في توليد الكهرباء مثل الفيول اويل والمازوت. وشهدنا ايضاً توجهاً نحو تطوير السيارات التي تعمل على الطاقة الكهربائية واستعمالها، او التي تسمى السيارات الهجينة التي تستعمل الطاقة الكهربائية او الميكانيكية حسب ظروف السير والازدحام. وعلى سبيل المثال، فان سيارة هجينة متوسطة الحجم، تعمل على الطاقة الكهربائية والبنزين او المازوت في الوقت ذاته، تستهلك 20 ليتراً من البنزين او المازوت لكل 400 كيلومتر، وتوسع استعمال السيارات الكهربائية والهجينة، مع انقضاء بضع سنوات، امر يساهم في تخفيف تسارع ارتفاع حرارة الارض.
نعود الى واقع اسواق الغاز اقليمياً ودولياً، ولا شك في ان ثمة تفاعلا واضحا بين الانتاج الاقليمي والطلب العالمي. فقطر على سبيل المثال صارت اكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي السائل في العالم. وكانت لقطر عقود ملحوظة مع مستوردين من الولايات المتحدة، ومعلوم ان عقود استيراد الغاز السائل هي لفترات طويلة بما انها تقتضي انجاز مصانع تسييل للغاز في مواقع التصدير، والاستعانة بناقلات خاصة بنقل الغاز، ومن ثم انشاء محطات استقبال للغاز السائل في بلدان الاستيراد تجهزها بمصانع لتحويل الغاز من شكله السائل الى طبيعته الغازية.
ان ايقاف العمل بعقود قائمة لتصدير الغاز السائل واستيراده امر شائك يستوجب تعويضات مالية كبيرة وربما ادى الى مطالبات قانونية تقتضي سنوات من المناقشات القانونية لتحديد المسؤوليات والمستحقات. وقد بات من المعلوم ان الولايات المتحدة صارت في غنى عن استيراد الغاز السائل. وهنالك اتفاقات طويلة المدى مع الجزائر قاربت الانتهاء. وحيث ان انتاج الغاز ارتفع بقوة في الولايات المتحدة خلال السنتين المنصرمتين، يرجح الا تجدد اتفاقات استيراد الغاز السائل من الجزائر، وان يعاد البحث في اي مشاريع مستقبلية لاستيراد الغاز السائل من قطر.
الولايات المتحدة هي اكبر سوق في العالم لاستهلاك الغاز لانها الدولة التي يساوي انتاجها 25 في المئة من الانتاج الاقتصادي العالمي، ووفرة الغاز في السابق دفعت الاميركيين الى انشاء شبكة ترابط بين مختلف الولايات لتسليمات الغاز، ونسبة استهلاك الغاز من مجموع استهلاك موارد الطاقة هي الاعلى في الولايات المتحدة منها في أي بلد آخر، في ما عدا روسيا الغنية بالغاز والتي لا تزال اسعار استهلاك الغاز فيها داخلياً مخفوضة.
لقد ادرك الاميركيون منذ سنوات ان لديهم ثروة هائلة من الغاز الطبيعي يمكن استخراجها مما يسمى صخور الطفل الصفحي (Shale). وبالفعل انصبت الجهود على تفحص هذه الامكانات، واظهرت الدراسات ان الولايات المتحدة تحتوي في هذه الصخور، على كميات من الغاز الطبيعي تكفي لاستهلاك البلاد كلياً مدى 50 سنة وتزيد.
وحيث ان الثروات الطبيعية في باطن الارض هي في الولايات المتحدة ملك لأصحاب الاراضي المعنية، توسعت اعمال استئجار اراض تحتوي على صخور الطفل الصفحي الغنية بالغاز خلال السنوات الاخيرة، وقد صار انتاج الغاز من هذه الصخور كافياً للحاجات الاميركية. ولولا ترافق عمليات الانتاج مع محاذير بيئية تتجلى في الصخور المطحونة وكيفية التخلص منها لكان الاميركيون علقوا كل عقود استيراد الغاز السائل.
ان توافر الغاز الطبيعي في صخور الطفل الصفحي ليس محصوراً في الولايات المتحدة، فهنالك مصادر مشابهة ملحوظة في اوروبا الغربية بدأ العمل على تطويرها، ووفرة الغاز نظرياً وعملياً ساهمت في انخفاض كبير في سعر الغاز خلال سنتين، وحين نقول انخفاضا كبيرا نعني انخفاضاً تجاوز نسبة 50 في المئة احياناً.
اليوم، في الولايات المتحدة، سعر الالف قدم مكعب من الغاز والذي ينتج مليون وحدة حرارية صار قرابة 2,6 دولارين. وللمقارنة فقط، نشير الى ان كل ستة آلاف قدم مكعب من الغاز تحتوي من الطاقة على ما يوازي برميل نفط، وتاليا تبدو الصورة وكأن سعر الغاز الموازي لبرميل من النفط، يباع حالياً بـ100 دولار، لا يتجاوز نسبة 20 في المئة من سعر النفط.
هذه المقارنة تصح في ارض ينتج فيها الغاز والنفط في آن واحد، لكن عملية استيراد الغاز، وخصوصا اذا كان مسيلاً، تزيد تكاليفه زيادة ملحوظة. واستيراد الغاز عبر انابيب تمتد بين بضع دول امر يؤدي الى تكاليف اضافية، كرسوم العبور، وتكاليف ضخ.
والامر الأبعد تأثيراً على توقعات لبنان، هو ما اذا كان سعر الغاز الذي انخفض بقوة خلال السنتين المنصرمتين يخفف الاهتمام باستكشاف مكامن الغاز والنفط في لبنان، وهذا الامر سيتضح من حماسة الشركات المعنية للتقدم بعروض لاستكشاف مكامن النفط والغاز في لبنان، ارضاً وبحراً، وحسب أي شروط لتوزيع الدخل بعد حسم التكاليف.
الصورة تبقى ايجابية، سواء استوردنا الغاز بتكاليف تساهم في تحقيق وفر على مستوى تكاليف انتاج الكهرباء، ام بصورة اهم في حال اكتشافنا موارد للغاز على رغم انخفاض اسعاره.