في غياب الوقاية والعلاج - مازن حايك (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
كثُر الكلام، في الآونة الأخيرة، عن "الأمن الغذائي"، وضرورة حماية اللبنانيين وحياتهم وأرزاقهم وصحّتهم من الخطر. صحيح أن طموح المواطن اللبناني انحسر، مع الوقت، بمدى قدرته على الحصول على أبسط الخدمات العامة، والتمتّع بالأمن والأمان، والقيادة على طرق سالكة، والعيش ضمن بيئة نظيفة، صالحة للتنفّس والحياة. لكن، الأصح أن المواطن نفسه ذُهل من الفلتان في القطاع الغذائي، الذي يَنتُج عنه "حياة أو موت"، كما صُعق لانتفاء الرقابة، وغياب المقاييس والمعايير والمختبرات، وانعدام الإمكانات والإجراءات الوقائية والعلاجية... وأخيراً، فُجِعَ بهزالة العقوبات، التي قد تصل إلى بضع مئات الآلاف من الليرة اللبنانية فقط، لمن يُهدّد حياة الناس، ويعرّضهم لخطر التسمّم والهلاك...
أما المشكلة الحقيقية فتكمُن في أن ما ينطبق على المواد الغذائية، ينطبق أيضاً، وإن بدرجات متفاوتة، على الأدوية، ومشتقّات النفط، ومواد البناء، وغيرها... التي تهدّد، على طريقتها، حياة اللبنانيين ومستقبل أبنائهم. ولا تلومنّ "مصلحة حماية المستهلك" في وزارة الإقتصاد والتجارة وحدها، لأنها تَضم نحو 140 مراقباً فقط، يختصّ 40 منهم بالمواد الغذائية والتأكّد من صلاحيتها لدى التجار والموزّعين على امتداد وطن الـ 10452 كلم2... من دون أن يتمتّعوا بالقدرة على التصدّي لمسائل أساسية كالمواصفات والمقاييس والمعايير، بدءاً من بلد المنشأ والإستيراد، ومروراً بالإنتاج والتخزين والحفظ والتوزيع، ووصولاً إلى رفع قيمة المخالفات وسقف العقوبات.
معروف عن وزير الإقتصاد والتجارة نقولا نحاس أنه من الوزراء الذين يَجهدون مخلصين لتفعيل وزارتهم وتخطّي الإنقسام العمودي الحاد في البلد، للعمل والإنجاز والمساءلة والمحاسبة... لذا، لا بدّ للوزير من الدعوة إلى تشكيل "خليّة أزمة" وزارية، تَضُم وزراء الصحّة والزراعة والبيئة والعدل والداخلية والمالية، وتعمل على مدار الساعة، كي يُصار ليس فقط إلى معالجة الوضع الشائك والمزمن... بل، تحسين الأحوال جذرياً في المستقبل، عبر وضع الأطر القانونية والرقابية اللازمة، وتحديد المواصفات العلمية، وانشاء المختبرات المتخصّصة، وتنفيذ الإجراءات العلاجية والوقائية واللوجستية المُلحّة، وملاحقة المخالفين والمرتكبين، وإيجاد الموازنات الضرورية... بهدف الحدّ من المآسي الإنسانية، والخسائر المادية، والنزعة المتمادية لدى بعضهم في تشويه صورة البلد وسمعته، والإثراء الفاحش على حساب صحّة الناس وسلامتهم!
يُقال أن "درهم وقاية خير من قنطار علاج"... لكن، وفي غياب الإثنيْن، أصبح المواطن اليوم، كمن "يُلدغ من الجُحر مرّتيْن" لناحية ضعف الدولة وإمكاناتها، وتغييب دورها ومؤسساتها وأجهزتها في رعايته، وحمايته، وطمأنته، والسهر على حاضره والمستقبل... فهل من مفاجأة سارّة في الأفق؟!