علامات الربيع - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
الموجة الثانية من الثورة العربية تتقدم بخطوات ثابتة، وتحقق مكتسبات مهمة، تعيد الى الربيع ألوانه ووروده الزاهية، وتعيد الإسلاميين الذين حاولوا مصادرته الى حجمهم الطبيعي والى دورهم الواقعي الذي لا يمكن ان يصل الى كتابة دساتير عصرية لدول ومجتمعات خارجة من اسر الاستبداد على اختلاف أشكاله السياسية والدينية.
باستثناء ليبيا التي لا تزال في مرحلة ما قبل اختراع الدولة، واليمن الذي لا يزال في حقبة ما قبل ظهور الاسلام، سجلت تونس ومصر وسوريا ثلاث علامات فارقة من الموجة الثانية للثورة، تنبىء بان الامور ستعود الى نصابها بأسرع مما كان يتوقع الخائفون من الخريف الاسلامي الذي حل في الأشهر القليلة الماضية وأوحى بأن العرب، عندما استردوا حرياتهم الفردية والجماعية، قرروا على الفور العودة عشرات بل ربما مئات السنين الى الوراء، لأن مخيلتهم ضيقة الافق وذاكرتهم مصادرة بالإسلام وحده ولا شيء سواه.
في تونس، حسمت حركة النهضة الاسلامية الحاكمة أمرها وقررت ان تفترق عن السلفيين وتتصدى لهم وتستجيب لمطالب الجمهور العلماني الواسع الذي خرج الى الشوارع معترضا على اعتماد الشريعة وإحياء الخلافة، ومناديا بحفظ النصوص والتقاليد المدنية للدولة التونسية: اعلنت الحركة أنها لن تغير نص الدستور التونسي المكتوب منذ عهد الراحل الحبيب بورقيبة والذي لا يذكر الاسلام كمصدر للتشريع.
وفي مصر، وجد الاخوان المسلمون انفسهم وحيدين في العراء، مع خصومهم السلفيين، بعدما خرجت من لجنة صياغة الدستور الجديد، جميع الاحزاب والتيارات والشخصيات السياسية في حركة احتجاج مؤثرة، تصوب مسار الثورة المصرية وتفتح من جديد أفقها المدني، وتحاصر مراهقي تلك الثورة الذين كادوا يحطمون دور المؤسسة العسكرية كحصن مدني قوي في مواجهة الزحف الاسلامي على الدولة ومؤسساتها.
والأرجح ان إخوان مصر وسلفييها الذين هيمنوا على عضوية لجنة صياغة الدستور لن يكون بمقدورهم المضي قدما في تحديد هوية مصر وبنيتها، استنادا الى نتائج الانتخابات النيابية الانتقامية او الانفعالية الاخيرة، التي حاصرت شرائح واسعة من المدنيين المصريين الذين كانوا وما زالوا عصب الثورة ورافعتها السياسية، وهم يستعدون الان لاسترداد مطالب المجتمع وحقوقه وجدول اعماله من الإسلاميين الذين ساهموا بسرعة في تلطيخ العقيدة وتشويه السياسة، وتعريض مصر لخطر جدي.
في هذا السياق جاء خطاب الاخوان المسلمين السوريين الاخير، معلنا انهم شركاء في كتابة مستقبل سوريا لا أوصياء على الدولة ذات التقاليد المدنية العريقة والمجتمع ذي التكوين التعددي الراسخ.. وهي ما يعد بان التجربة السورية المقبلة ستكون اسهل بما لا يقاس من التجربتين التونسية والمصرية، حتى ولو تبين ان اسلاميي سوريا وسلفييها اكبر من رفاقهم التونسيين والمصريين.
انه الربيع.